نظرات في القيادة

 

هذه خطوط عريضة، ونظرات مختصرة عميقة، مستفادة من الخبرة الذاتية، بما فيها من تجربة وتأمل، وقراءة واطلاع وتدبر. وددت تقييدها كمعالم ظاهرة، وعناوين بارزة في أدبيات القيادة. تاركاً تفاصيل الموضوع للقسم الثاني من المشروع، وهو البرنامج. منطلقاً من القاعدة التالية:

  • • أزمتنا أزمة هوية، وأزمة قيادة. فأمة بلا هوية واضحة أمة غائبة.. وأمة بلا قيادة ناجحة أمة خائبة.

القيادة

 

تعريف القيادة والإدارة

  • • القيادة هي القابلية على حشد الطاقات وجذب الأتباع وتحريكهم باتجاه الهدف.
  • • والإدارة تنفيذ تفاصيل العمل.
  • • تهتم القيادة بالكليات (اختيار العمل الصحيح)، بينما تهتم الإدارة بالجزئيات والتفاصيل (اختيار الطريقة الصحيحة للعمل)([1]).
  • • القيادة تركز على العاطفة؛ فالقائد يشحذ الهمم ويحفز القوى ويجذب الأتباع ويحشدهم، بينما الإدارة تركز على المنطق؛ فالمدير يخطط وينفذ وينظم ويوجه ويراقب ويشرف([2]).
  • • تشترك الإدارة مع القيادة في تحديد الهدف والتخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة والإشراف([3]).
  • • لو شبهنا المشروع بسفينة مبحرة في محيط، فالقائد هو الربان الذي يمسك بدفتها، ويحدد هدفها وخط سيرها، والمدير هو الذي يقوم بتنفيذ تفاصيل الأوامر التي تحافظ على سير وحركة السفينة وصيانتها، وتوفير لوازم العيش والراحة لركابها.
  • • القيادة عملية بناء وإعداد شامل تبدأ بالعقيدة والفكر، والنفس والجسد، وتنعكس على السلوك والعمل، وتظهر آثارها في الأنفس وتشرق في الآفاق.
  • قد تكون القيادة فطرية، وهذه تتمثل في قلة من الناس لا تتجاوز الواحد أو الاثنين في المئة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الناس كالإبل المئة لا تكاد تجد فيها راحلة)([4]). كما أن قلة من الناس لا تصلح للقيادة بحال. وهذا التصنيف يفتح المجال واسعاً للتفاؤل وبذل الجهد لإعداد الجمهور من أجل استخلاص الصالحين منهم للقيادة، ورفد المشروع على الدوام بمزيد من القيادات. وهذا من معاني كون القيادة عملية بناء. ينسحب ذلك على القيادات الفطرية أيضاً، فهي ليست بمنأى عن الحاجة للتهذيب والترصين والنقاش في الوسائل والأساليب، والبحث الدائم عن الفكرة المبدعة التي تنتج العمل الأوفق والأكثر إنتاجاً والأسرع حركة باتجاه الهدف.

 

مهام القيادة

- إثارة الهمم وتحريكها، والتحكم في حجم ومدى الحركة الناتجة، والسير بها نحو الهدف الكبير أو العام.

- حسن توزيع المهام وتقسيم الأدوار على منظومة القيادة والإدارة.

- غرس الثقة والأمل في النفوس.

- إعداد القادة: بالبحث المستمر عن العناصر القيادية، واكتشافها، وتهيئتها لرفد المؤسسة بأجيال لا تنقطع من قادة المستقبل.

- تحديد هوية المؤسسة بناء على العقيدة أو الفكرة الأساسية من جهة، والتحدي الموجود في الواقع من جهة أُخرى.

- وضع المشروع، بما فيه من تحديد الهدف الكبير والأهداف المرحلية والجزئية، والوسائل والآليات الموصلة، ورسم الخطة، وتهيئة الموارد المادية وكيفية استثمارها. وتطوير القيادات وتنمية القدرات.

- كتابة النظام الداخلي، وتشكيل هيكل القيادة الهرمي، ورسم السياسات العامة وتمثيل المؤسسة أمام الدول والمحافل والجهات الأُخرى في الداخل والخارج.

 

المؤسسة الإدارية

-     يغلب على المؤسسات المتواجدة في الساحة اليوم أنها مؤسسات (إدارية) تقتصر وظيفتها على تسيير الأمور وتمشية الأعمال المشبوحة على خشبة الجدول.

-     اختفت من الساحة، أو كادت، تلك المؤسسات (القيادية) التي تفكر وتطور وتبدع وتتبع مبدأ (التغيير المستمر حفاظاً على الاستمرار الثابت).

 

المنهج القيادي والمنهج الإداري و ... المنهج الارتجالي

المنهج القيادي هو نظر كلي، يتجه إلى الجزئيات من خلال الكليات ليربطها بها، ويستخلصمنكل حركة أو ظاهرة جزئية قانوناً كلياً يحل به إشكالاتها وينمي به طاقاتها. وهذايحتاج منا إلى بيان المنهجية التي بها تُستنبط الأفكار، وتدريب مشاريع القادة عليها. فالمنهج لا يكتمل ولا يثمر دون تعليم المنهجية الكلية للأتباع، وكيف تستنبط الأفكار بالأنظار، وتستخلص الكليات من الجزئيات. انظر – مثلاً بسيطاً - إلى ما فعلته إيران بالأحواز والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وتهديداتها لباقي الأقطار: كصورة متكاملة لا مجزأة، تستنتج خطاً كلياً لسير مخطط فارسي إمبراطوري غايته ابتلاع المنطقة. يعتمد هذا المخطط في سيره محوراً نظرياً مزدوجاً يقوم على الهوية الشيعية للاستهلاك الداخلي، ودعوى محاربة الإرهاب للاستهلاك الخارجي. ويعتمد في تنفيذه عملياً على شيعة المنطقة كلها. كما تظهر بوضوح صورة قضية عابرة للأقطار هي (القضية السنية) في مقابل (القضية الشيعية)، وأن الهوية الصحيحة للمعركة هي (الهوية السنية العربية الإسلامية) في مقابل (الهوية الشيعية الفارسية المجوسية). وبذلك يتم اكتشاف زيف (الهوية الوطنية) في الأقطار ذات التركيبة الشيعية السنية، وهشاشتها للصمود أمام المخطط الشيعي، بل وخطورتها!

بذلك نتمكن من (التصنيع) المستمر للجيل القائد داخل المؤسسة. ونحول بين المؤسسة وهيمنة المنهج الإداري عليها، الذي ينظر إلى الكليات من خلال الجزئيات لينفذها طبقاً إليها، أو الانزلاق نحو هوة المنهاج الارتجالي الذي ينظر إلى الجزئيات كخرزات منفصلة عن نظامها أو سلكها.

 

خطورة تحول المؤسسة القيادية إلى منظومة إدارية

القائد من يرجع كل جزئية إلى قانونها الكلي، كي يشمل به جزئيات أُخرى في الواقع، ويكتشف قوانين جديدة للحياة يضيفها إلى رصيده، ويصحح بها قوانين سابقة جزئياً أو كلياً أثبتت التجربة الميدانية حاجتها إلى التصحيح.

والمدير من نظر إلى القانون الكلي ليُفَعّل الجزئيات طبقاً إليه.

ولا قيادة بلا إدارة كما أنه لا إدارة بلا قيادة. فالتلازم بين القيادة والإدارة شرط النجاح.

لكن هنا سراً خافياً لا ينتبه إليه بسهولة، وهو أن القيادة ما لم تنجح في إيجاد إدارة تبقى ظاهرة صوتية، مثلها كمثل منشار بلا أسنان. بينما الإدارة يمكنها العمل والإنتاج بدون قيادة تستحق عنوان القيادة. فيكون لها وجود اجتماعي ذو أثر يجتذب إليها كثيراً من الأتباع اقتناعاً أو انتفاعاً، دون أن يشعروا أن هذا الوجود تقليدي جامد يكرر نفسه في وسط بيئة متغيرة. وعندما تتحول المؤسسة القيادية إلى مؤسسة إدارية تخبو الفكرة النابضة فتضيع البوصلة الموجهة وتنحرف الحركة الناهضة عن الهدف المرسوم.

جميع مؤسساتنا التي تريد الخلاص للسنة، أو تزعم ذلك، مؤسسات إدارية لا نبض فيها ولا روح، إما بفعل طول الأمد أو أنها ولدت وهي فاقدة للطاقة القيادية من الأصل: سواء منها الفكرية والسياسية والقتالية. نعم تؤدي خدمة للمجتمع، ولكن إما خدمة تقليدية كمثل بائع فاكهة داخل سفينة متدهورة في طريقها إلى الحضيض. وإما خدمة ضررها النهائي أكبر من نفعها.

والحل بالعمل على الإنقاذ من خارج السفينة.

أما حال باقي أهل السنة فعملهم عبارة عن ضرب في فراغ.. لا قيادة ولا إدارة. عمل بلا قضية، أو قضية بلا هدف ولا هوية، أو ليست هي القضية الأولى أو المركزية (القضية السنية).

فكثير من سنة العراق - مع أن الشيعة يحتلون أرضهم، ويمسخون دينهم، وينتهكون أعراضهم، ويحرمونهم حقهم في الحياة والفكر والحرية.. ومع كل هذا البلاء - ما زالوا يتوهمون أن قضيتهم الأولى تحرير فلسطين!

لقد عقم الفكر العربي والإسلامي أن يكتشف أن لكل قطر قضيته المركزية، وأنه لا قضية مركزية واحدة ما دامت الأمة متفرقة أقطاراً، وليست موحدة تحت أي نظام للوحدة.

 

معادلة الاستمرارية والتغيير

تقوم معادلة الاستمرارية والتغيير على الأسس التالية:

  • • كل شيء يتغير بمرور الزمن وتعاقب الحدث.
  • • كل وجود يبغي الاستمرار رغم التغير.
  • • كل مؤسسة في حاجة إلى مرونة تحقق الاستمرار والتطور من جهة، والثبات والمحافظة على الهوية الأصلية للمؤسسة من جهة ثانية.
  • • لا بد من التغيير المستمر حفاظاً على الاستمرار الثابت.
  • • الاستمرار والتطور يحتاج إلى التكيف مع المتغير، بتبني سياسة التوازن بين التغيير والاستمرارية*.

سياسة التوازن

  • • من مهام القيادة تبني سياسة التوازن مراعاة لمعادلة الاستمرارية والتغيير.

تقوم سياسة التوازن على الأسس التالية:

أ. العمل المستمر للحصول على المعلومات المستجدة الموثقة*.

ب. السؤال عن أسباب التغيير.

جـ. التعويض المستمر عن النقص في الموارد البشرية والاقتصادية، مع اتباع سياسة التدرج في ذلك التعويض.

د. تقدير ومكافأة العاملين (المبدعين)، والذين يحافظون على تقدم وتحسن مستوى أدائهم*.

هـ. التخلي عن كل ما اعتبر ثابتاً ثم صار مصدراً للضرر، فليس هذا بثابت. إنما هو قيد يعتقل به الإنسان نفسه بنفسه.

 


[1]- مهارات القيادة وصفات القائد، ص6، إعداد أحمد بن عبد المحسن العساف. ملف (وورد) تنزيل من شبكة المعلومات.

[2]- المصدر نفسه، بتصرف.

[3]- المصدر نفسه، بتصرف.

[4]- متفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. تذكر بعض مصادر علم الأدارة أن 2٪ من الناس يمتلكون القدرة على القيادة بالفطرة، و2٪ لا يصلحون للقيادة بحال. وأن 96٪ يمكن تدريبهم ليصبحوا قادة.

primi sui motori con e-max.it