طُرُز القادة

 

 

القائد رائد.
يرسم المعنى اللغوي لكلمة (الرائد) - كما جاء في (لسان العرب) لابن منظور: "وأَصل الرائد الذي يتقدّم القوم يُبْصِر لهم الكلأَ ومساقط الغيث" – صورة حسية معبرة للرائد في معرفته وخبرته، وفي تقدمه على قومه وقيادته.
فالقائد رائد: يسبق الحدث بوعيه فيستشرفه، ويتقدم القوم بدلالته فيعد العدة له ويقودهم بسبقه وتميزه. فالريادة أجمل وأقوى مزايا القائد الجاذبة للأتباع بنوعيهم: النخبة والجمهور.
وأهم الأسس التي تستند إليها الريادة: الدراية ونقصد بها: السيولة الفكرية، المطعمة بالإبداع، والمعرفة المتوهجة بكيفية "تخليق الفكرة". ثم الحركة الناشطة المسددة لاستثمار هذه القوى في تكوين المؤسسة وقيادتها بشقيها: البشري والمادي.
لا ينفصل ذلك عن إرادة قوية دافعة وثقة بالنفس عالية يغذيها التفاؤل والأمل. هذه الإرادة هي أهم عناصر القوة الذاتية الدافعة إلى المثابرة والإصرار على مواصلة العمل من أجل ما يؤمن به. مع حالة عشقية تربط بينه وبين القضية. كما أنها دافعة للغير نحو الالتفاف حول المؤسسة والعمل في ميدانها.
يخطط وينفذ.. يبني مشروعه على فكرة ينطلق منها، وله رؤية واضحة ذات هدف محدد يحققها. مرن التفكير، متجدد لا يعتريه الجمود، يدرس ويرصد ويعدل في أفكاره وخططه وبرامجه ويطورها باستمرار.
يتمتع بشعور مرهف تجاه قضيته، هو كالروح بالنسبة لحركته الدافقة في سبيلها؛ فالعمل المجرد مَهَمَّة الأجراء والموظفين لا أصحاب الرسالة وورثة المرسلين. ويتصف بإحساس عالٍ بالمسؤولية وهو يؤدي واجبه في تقديم مستحقاتها.. يبذل من وقته وجهده بلا تذمر، ويمنح من ذلك بلا منٍّ ولا أذى (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات:17). كل هذا يتم ضمن منظومة قيادية نسقية الأداء.

 

دراية .. إرادة .. ريادة .. إدارة
ولا تكتمل الريادة والدراية والإرادة إلا بالإدارة. أربع كلمات ذات مبنى صرفي واحد! كأنها تقول: نحن تكوين واحد، نشأ من أصل واحد، ويهدف إلى غاية واحدة لن تتحقق إلا بهذا التكوين الواحد.
دراية لافتة، وإرادة دافعة، وريادة جاذبة، وإدارة نافذة.. رباعية متلازمة في تكوين شخصية القائد الأصيل.
وبتفاوت نسب ظهور آثار هذه القوى في خلطة التركيب التي تتكون منها شخصية القائد تنتج لنا طرُز أو أنواع متعددة من القيادات. أهمها ثلاثة:
1.    القائد (أو القائد الأصيل): وهو الذي تغلب عليه آثار الدراية والإرادة والريادة، وتتجه الإدارة عنده إلى الخطوط العامة أكثر من التفاصيل.
2.    المدير (القائد الوكيل): وهو الذي تغلب عليه آثار الإدارة بصورتها التفصيلية التنفيذية. ولا غنى للقائد الأصيل ولا للمؤسسة عن المدير؛ فالحاجة إليه ضرورية منفذاً للبرامج ومتابعاً للأنشطة.
3.    القائد النوعي: وهو الذي تغلب عليه آثار الدراية والريادة بشقها المعرفي الخبروي أكثر من شقها البشري التعبوي. فيكون له تأثيره الجذري في تطوير المؤسسة نوعاً، وهذا له تداعياته الإيجابية في نقلها إلى الأمام كماً، فيتغير مسارها من حيث الاتجاه ومن حيث الحركة. واختلافه الجوهري عن (القائد) أو (القائد الأصيل) من حيث القدرة على تحريك الجمهور وتوجيهه. ومثاله: خبير في علم الإدارة يقوم بتطوير المؤسسة وتنمية مهارات وخبرة أفرادها بطريقة إبداعية متميزة فيها روح القائد وتوهجها ونماؤها. أو شخص يجيد فن العلاقات مع الدول والمؤسسات الخارجية، أو مع القيادات والنخب والمؤسسات والفئات الداخلية؛ فيعود نفعه وتأثيره على المؤسسة بما يوازي أو يقارب تأثير القائد الأصيل.   
ومن الممكن تطوير (القائد الوكيل) و(القائد النوعي) إلى طراز (القائد الأصيل). وقد لا يمكن لسبب ذاتي أو خارجي. ولا بأس فقد قال الله تعالى: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) (الزخرف:32). وقال نبيه (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه الإمام مسلم بسنده عن علي (رضي الله عنه): (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)؛ ما دام التوازن بين القيادة والإدارة محفوظاً، وما لم تتحول المؤسسة – بفعل طول الأمد – إلى مجرد إدارة تفتقر إلى روح القيادة وفكرها وفاعليتها.
إن تنوع طرز القيادة ضروري في أي مؤسسة ناجحة. وهذه الثلاثية الجميلة في تركيب القيادة لا تقوم أي مؤسسة إلا بوجودها؛ فلا يغني اثنان من عناصرها عن الثالث. على أن يكون وجودها مظهراً من مظاهر قانون (التكامل)، وأثراً من آثار العمل بقانون (المنظومة القيادية) لا القيادة الفردية الصنمية.

primi sui motori con e-max.it