القائد العلَم .. والقائد الصنم

 

 

القائد والد..

القائد العَـلَـم هو أب للمؤسسة: عادل ورحيم. يعمل ضمن منظومة قيادية شوروية، لها آلية محددة في اتخاذ القرار. وفي خلاف ذلك يبرز القائد الصنم، الذي هو - في حقيقته - زعيم مستبد، ورمز أجوف.

 

ثقة المنظومة بالقائد

  • • الأتباع يثقون بقائدهم طبقاً لمعادلة (الصبر واليقين): (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24)؛ فلولا شواهد الثقة التي يحفل بها تاريخه ما اتبعوه. وبهذا يكون الصبر معه وعليه. وبغير ذلك لا يتم الوصول إلى الهدف. (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح:10).
  • • من لم تتوفر لديه أسس اليقين المسبقة بصلاحية القائد لن يصبر على طول الطريق وتكاليفه، ولن يحسن التعامل مع فتنه ومطباته.
  • • استقامة القائد أساس الثقة. وبذلك يكون القائد قدوة يؤتسى به. والمؤسسة التي تجد قائدها أو مديرها مستقيماً نزيهاً تتمتع بروح معنوية عظيمة؛ لأن روح قائدها عظيمة. وهذا ينطبق على كل المنظومة القيادية؛ فإن روح العمل في أي مؤسسة تبدأ من قمتها. أما إذا فسدت هذه الروح في المؤسسة فيرجع ذلك أيضاً إلى قادتها، وفي المثل الأمريكي: "يبدأ موت الشجرة من قمتها"*.

ثقة القائد بمنظومة القيادة

  • • القائد يثق بأتباعه ويحترمهم؛ إذ أولى الناس باحترامك أتباعك.
  • • وثقة القائد بمنظومة قيادته أساسها حسن الاختيار طبقاً للمعيار. ومعيار الاختيار عندنا يقوم على ثلاث: الإيمان والأداء والولاء. وللتفصيل محل آخر.
  • • القائد واثق بنفسه؛ لذا هو يحترم أتباعه ويقدرهم ويثني عليهم؛ فالمهزوم لا يثق بأحد، ولا يحترم إلا من يعارضه، أو من هو أقوى منه.
  • • الثقة بالنفس تمنح الاحترام للآخرين، وإن كانوا أضعف منا.
  • • ثق بأتباعك وعرضهم للتحدي، وسترى كيف تكون الاستجابة.
  • • القائد من يغرس في أتباعه الثقة بأنفسهم ، وليس القائد من يجعل أتباعه يثقون به فقط. إنما ذلك الصنم.
  • • عندما تثق المنظومة المقربة بقائدها ويثق بهم، ينعكس ذلك على الجمهور فتشيع فيه الثقة بالجميع والحماس للعمل خلفهم.

أبوية القائد

  • • الأبوية حاجة فطرية: فردية وجمعية. كل الناس يستشعرونها ويسعون لتلبيتها بغض الطرف عن العمر والجنس والمرتبة الاجتماعية.
  • • للبيت أب إذا فُقد شعرت العائلة باليتم. وللمجتمع أب هو الحاكم يحتاجه الجمهور ويشعر بحالة اليتم نفسها إذا فقده، ويسعى لتعويضه. وكذلك المؤسسة لا بد لها من أب هو قائدها الأعلى يلبي لأفرادها تلك الحاجة الفطرية: "الأبوية".  
  • • لا بد للمؤسسة من قائد أعلى يكون مصدراً للإلهام الروحي، والاستقرار النفسي، والنمو الفكري، يتأثر بشخصيته بقية القادة فيكون زعيماً حقيقياً لهم يستحق التقدم عليهم فيالمسير، ويلتف حوله الجمهور رمزاً يستحق الاتباع البصير. وعلى المؤسسة التجديدية الناهضة أن تعنى بوجود مثل هذا القائد باستمرار، وتهيئ البديل المناسب عند فراغ مكانه لأي سبب من الأسباب. وتحيطه بشيئين: منظومة قيادة تحفظ البنيان، ونظام داخلي يمنع الطغيان.
  • تستلزم الأبوية أن لا يعامل الأتباع قائدهم على اختلاف مراتبهم في المنظومة معاملة الإخوة لأخيهم، وإن كان هو أخاً للجميع. وإنما يعاملونه معاملة الأبناء لأبيهم: فلا يُرد عليه قوله دون تأنٍّ وتمعن. ولا تتبع معه في النقاش طريقة الجدل إلا عند الحاجة، وأحياناً، لا على الدوام. ولا يُتضايق من نصحه منفرداً أو مجتمعاً، بل يقبل منه بترحاب، وإن كان ثمت نقاش فباحترام.
  • • ولتستحضر المنظومة أن القائد بالنسبة إليهم كالشيخ بالنسبة لتلاميذه، والأب بالنسبة لعائلته. والقائد وإن كان لأتباعه أخاً وصديقاً ومعلماً، لكن هذه العناوين لا تمثله حق التمثيل، إنما (الأب) هو العنوان الذي يمثله ويعبر عنه أصدق تعبير.
  • • ليس المقصود بالقائد القائد الأعلى للمؤسسة فحسب، وإنما القواد جميعاً في مختلف مراتب القيادة. فكل قائد هو تابع لمن فوقه في مرتبة القيادة، وهو – في الوقت نفسه - قائد لمن هم دونه في المرتبة. وهذا يستدعي من القادة جميعاً – بصرف النظر عن مراتبهم – أن يبعثوا في أنفسهم روح الأبوة للفريق، ويتمرنوا على ذلك باكتساب الشخصية الأبوية الحقيقية؛ وذلك بالتحلي بعناصرها المستحقة: نفسياً وروحياً ومعرفياً وخبروياً؛ فالأبوية ليست رتبة إدارية تنال بالتعيين، وإنما منزلة قيادية تنال بالتمكين.
  • • بالأبوية العادلة الرحيمة، تكون العَلَمية، التي بها يتحقق التوازن بين الأخوية الباغية والصنمية الطاغية.
  • • وقد عدى العلماء بعض الآداب التي شرعت مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى "أمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوة"([1])، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) (النور:62). ولا يبعد الاحتجاج بمثل ذلك على بعض الآداب الأُخرى التي ينبغي أن تراعى مع القائد أو الأمير أو الإمام، وإن لم تكن درجة الحكم واحدة لمقام النبوة، ولكن يؤخذ منها الأدب المطلوب اتباعه معه، كما في قوله تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63). والله تعالى أعلم.

القائد الصنم

  • • الصنمية أخطر عوق يصيب نفوس القادة.
  • • الجمهور المتخلف هو الذي يصنع الصنم، وهو الذي يحطمه بعد فوات الأوان ليقوم بتصنيع صنم آخر.
  • • الصنمية والتخلف سببه ثقافي نفسي اجتماعي، أي الثقافة والنفسية الجمعية للمجتمع. وجذوره قائمة على الاضطهاد بكافة أشكاله. فالثقافة الجمعية للمجتمع الاضطهادي تميل إلى التطلع للمنقذ السحري، والحلول العاجلة. وعادة ما تؤمن بما يسمونه بـ(الحل الوحيد). ومن هنا نشأت (الثورية) والاعتماد على الحلول العسكرية، وإهمال الحل القائم على مشروع حقيقي (مدني): ينطلق من فكرة تؤسس لهدف، يتطلب وسائل وآليات، وتهيئة موارد، وإعداد قيادات، وتربية جمهور في منجاة من العقد والمعوقات النفسية: فردية وجمعية. وهذا هو الذي اعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء الدولة وتأسيس الحضارة. و(الحل الوحيد) في حاجة إلى شخص ساحر الصفات، يتخذونه صنماً ينقذهم من صنم ليكون هو الصنم.. فكان الصنم!
  • • من أسباب التخلف الذي ينتج الصنم قلة الوعي. وهذا يشمل الوعي بالفكرة التي يبنى عليها المشروع، والهدف الذي يتجه إليه، والوسائل الموصلة طبقاً للموارد المتهيئة. كما يشمل الوعي بالذات وصفاتها وقدراتها إيجاباً وسلباً، ومعرفة البيئة المحيطة. مع معرفة عميقة بالعدو فكراً ونفسية، وحاضراً وتاريخاً، ومقاصد وأهدافاً، وخططاً وتدبيراً، وكيف يفكر ويعبّر؟ وكيف يسلك ويتصرف؟ وغير ذلك.
  • • من أسباب التخلف النظام الأساسي المتخلف للمنظومة القائدة، حين لا يتضمن ما يمنع من وصول الصنم إلى القيادة، أو الوسائل السلمية الناجعة لإزاحته إذا وصل. وليس فيه من القواعد والإجراءات التي تمنع صناعة الصنم من جديد في دورة لا تنتهي حتى تبدأ وتعيد. وحين لا يضمن وصول أخفت صوت من أضعف فرد في المؤسسة – مهما كبرت – إلى سمع القيادة الدنيا، أو القيادة العليا إن اقتضى الأمر، وعجزت القيادة المباشرة عن معالجة الحالة.

القائد والقضية : من يكبر على حساب من ؟

القائد العلَم هو الذي يكبر لتكبر به القضية. والقائد الصنم هو الذي يكبر على حساب القضية. فالقضية في حاجة إلى من يحملها لا إلى من تحمله؛ القضية التي تحمل أهلها لا يمكنها الاستمرار.

يقول الدكتور بيتر دراكر([2]) تحت عنوان (الاختصاصات الأربعة للقائد) عقّب عليه بعنوان تحته بخط صغير (اجعل تركيزك على المهمة دون نفسك فالعمل أهم): والاختصاصات الأربعة التي عناها بيتر دراكر هي: إجادة فن الاستماع، والتواصل مع الآخرين ليكون مفهوماً لديهم، وتصحيح الأخطاء بإعادة تنسيق الخطة باستمرار، والتحكم في الذات مقارنة بالعمل. وما يهمني هنا هو الاختصاص الأخير الذي شرحه بقوله:

"أما الاختصاص الأساسي الأخير هو الاستعداد لأن تدرك عدم أهميتك إذا ما قورنت بالمَهَمة. فيجب على القادة أن يجعلوا أنفسهم خاضعين للمهام والعمل. أن يدركوا أنهم مهما كانت لديهم القدرة على الاحتفاظ بشخصيتهم وفرديتهم، ومهما أخلصوا للمهمة، فإن هذه المهمة سوف تطغى عليهم إن آجلاً أو عاجلاً لأن العمل سوف يستمر بعدهم". ثم يقول عبارة في غاية الأهمية يا ليت أتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم يتدبرونها، هؤلِاء الأتباع الذين وجدوا أول حديث في سنته في أعظم ديوان لها من دواوين الحديث هو حديث النية: (إنما الأعمال بالنيات). فإن هذه العبارة وردت في حديث رجل ربما لم يكرمه الله سبحانه بنفحة من إيمان، لكن الحياة علمته أن القائد الذي يريد لشخصيته أن تكبر وغاياته الشخصانية المباحة أن تكون، فعليه أن يحقق هذا خارج نطاق قضيته ومهمته، فيقول مباشرة بعد ما كلامه السابق: "غير أنهم يستعيدون حياتهم الشخصية والإنسانية خارج المهمة".

ثم يواصل (دراكر) قوله وهو يتحدث عن مطب خطير يقع فيه القادة: "ومن ناحية أخرى فإنهم يقومون بعمل أشياء مبالغ فيها معتقدين أن هذا سوف يعزز فكرتهم؛ مما يجعلهم أنانيين، وعملهم غير مجد. وفضلاً عن ذلك كله يصبحون أناساً أنانيين ومغرورين. فإحدى القدرات العظمى التي كان يتمتع بها القائد "ونستون تشرشل" حتى آخر يوم من حياته هي مساعدة ودفع السياسيين من الشباب".

 


[1]- هذا لفظ القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن) عند تفسير آية (النور). وشبيه به ما قاله الجصاص في (أحكام القرآن)، وابن العربي (في أحكام القرآن). وقال الشوكاني في (فتح القدير): "قال الزجاج: أعلم الله أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيه فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وكذلك ينبغي أن يكونوا مع الإمام... قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن.

[2]- أفكار دراكر اليومية في الإدارة، ص150، تأليف الفيلسوف والأستاذ الجامعي الأمريكي الدكتور بيتر إف. دراكر. وهو مفكر كبير وعلم من الأعلام الأفذاذ في مجال الإدارة. يعد أحد أعظم مفكري الاقتصاد في العصر الحالي.

primi sui motori con e-max.it