عقبات

في طريق القائد

 

 

تبرز أمام القائد ثلاث عقبات مطلوب منه اقتحامها وتجاوزها بنجاح: (رؤية العمل، والعائلة، والوظيفة). وإذا كانت المسؤولية على قدر العنوان فما نقوله هنا يتعلق بـ"القائد الأصيل"، الذي لا تنهض المؤسسات التجديدية إلا بهذا الطراز من القادة الذين هو منهم.

 

1. رؤية العمل

أما رؤية العمل فالمقصود بها أن ينظر العامل إلى حجم عمله فيجده كبيراً يزيد على ما هو مطلوب منه – كما يتهيأ له - بحيث ينتج عن هذه الرؤية حالات مرضية قد تفسد أصل العمل وتذهب به (كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم:18). وهذا مخالف للأصل؛ فمن أذكار المسلم في الصباح والمساء فيما رواه البخاري عن شداد بن أوس (رضي الله عنه) ما سماه النبي (صلى الله عليه وسلم) (سيد الاستغفار) وفيه (أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيّ، وأَبُوءُ بذَنْبي). ومعنى « أَبُوءُ » - كما في لسان العرب - أُقِرُّ وأحتملُ وأَرجع. ومن معانيه العدل والتكافؤ والمساواة. فهو اعتراف بأنه ليس من العبد إلا الفقر والذنب، وليس إلا نعمة الله تعالى عليه تحيط به من كل جانب؛ فما عمل من عمل فهو بتيسير الله فضلاً منه ونعمة، وإن قصّر فمن نفسه يقر بذنبه راجعاً به إلى ربه محتملاً إياه يسأله أن يعفو عنه فضلاً، ويطلب منه أن لا يعاقبه عدلاً. وكأن حقيقة العلاقة فيها كفتان: كفة ليس فيها إلا الفضل، وكفة ليس فيها إلا الذنب!

فكيف يرى عبد عمله وهو يستحضر هذه المعادلة؟

وليس معنى هذا إعدام الرؤية من الأصل، وإنما ضرورة انتفاء ما يصاحبها من حالات مرضية أخطرها:

 

أولاً: المنُّ بالعمل في نفسه أو على أعضاء منظومته. فإن المن بالعمل دليل رؤيته واستكثاره. وهذا من أول ما نهى الله تعالى عنه نبيه (صلى الله عليه وسلم) لحظة أن كلفه بتبليغ رسالته فقال: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ *فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) (المدثر:1-10).

فقد جمعت هذه التوجيهات مؤهلات الداعي (وهو القائد) النفسية، التي من دونها لا يمكنه تحمل مسؤولية النذارة أو أداء مهام الرسالة:

1. تعظيم الله سبحانه وتكبيره فيتصاغر لدى المؤمن كل كبير عملاً كان أم غيره.

2. طهارة الثوب والاهتمام بالمظهر الذي يجذب المدعوين، ولا يكون عاملاً مضافاً من عوامل تنفيرهم، وهذا يستلزم طهارة الباطن من باب أولى؛ فذلك موضع نظر الخلق، وهذا موضع نظر الرب.

3. هجر الذنوب المعبر عنها بالرجز، وهو لغة في الرجس، أو هو العذاب النازل بسبب الذنوب؛ فعبر بالمسبَّب وأراد السبب. وذلك طهارة الباطن.

4. عدم المنّ بالعمل استكثاراً له؛ فمن استكثر فقد منّ. وكيف يستكثر من يُكبّر!

5. الصبر لله.

6. ثم النظر في المآل وهو يوم القيامة.

 

ثانياً: الضيق بالنصيحة، والانزعاج من النقد. وهذا مؤشر خطير على وجود بذور الشرك الخفي؛ فعلى صاحبه الإسراع بنبشها قبل هبشها.

 

ثالثاً: التطاول الخفي أو العلني على أقرانه.

 

رابعاً: التذمر من إرهاق العمل لا بطريقة العرض الهادف والنقاش الهادئ، وطلب الإعفاء من بعض الأعمال الزائدة، وإنما بطريقة الشكوى وتحميل أقرانه أو مسؤوله تبعية انشغاله وإجهاده، وربما ذكر تقصيره في حق نفسه وأهله نتيجة استغراقه. لا سيما إن كان ما يعمله يعمله باختياره، ولم يلزمه أحد بأدائه.

من أراد أن يكون (أول المسلمين) فليعط الأولية استحقاقها:

 

 

دَبَبْتَ لِلْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا         جَهْدَ النُّفُوسِ وَأَلْقَوْا دُونَه الأُزُرَا

فَكَابَدُوا الْمَجْدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُمْ      وَعَانَقَ الْمَجْدَ مَنْ أَوْفَى وَمَنْ صَبَرَا

لا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ     لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْــدَ حَتَّــى تَلْعَقَ الصَّبِـرَا

 

خامساً: تفسير تفوق غيره في العطاء دون ظهور بادرة تذمر منه بتمتعه بأسباب خارجية، لا إلى مزايا ذاتية تعينه على ذلك. وهذا مخالف لقوله تعالى: (هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165) وما في بابه من الآيات. يعود سبب هذا التفسير إلى جذور نفسية قد يكون أساسها صحيحاً وهو الثقة بالنفس والاعتداد بها والتبرم بتفوق الغير عليها ما دام دافعاً لصاحبه إلى التنافس المحمود. لكن حين يتضخم هذا الأساس في غفلة من صاحبه يتحول إلى طغيان خفي، وإهمال لردم الفجوات ومعالجة للعلل الداخلية.

هناك حالة يوجه فيها النقد إلى رأس المؤسسة بطريقة غير مقبولة، منها ما يكون مستنده دعوى تمتعه بمزايا خارجية كالنفوذ أو العلاقات أو المال، يرجع إليها سر تفوقه الذي ينبغي أن يكون من مميزات رأس المجموع؛ وهذه – كما يبدو – عبارة عن دفاع سلبيمبطن عن الذات ناشئ عن رغبة خفية في التقليل من شأن الجميع لا لذات التقليل نفسه – ربما - وإنما رغبة في التوصل إلى الدفاع عن تقصير الذات وإرضائها بنوع من الشعور بالتفوق، وإظهار ذلك للآخرين. وكأن عقله الباطن يهجس له قائلاً: لولا تلك التسهيلات والأسباب الخارجية ما زاد عليك رئيسك، ولو جُرد مما حرمت منه لكان دونك. فكيف بمن دونه في المرتبة!

في خريف/2008 كنت أدرس حالة شخصهو من أقل العاملين معي إنتاجاً، وأبطأُهم عملاً، وأكثرهم كلفة، وأشدهم تذمراً وشكوى تسببت في مشاكل جمة أثرت على آخرين معه. فتوصلت بعد التفكر والنقاش إلى أننا أمام حالة تقصير وصلت إلى درجة القعود من شخص يبدو أنها أقلقته وأزعجته، لكنه يصعب عليه أن يواجه نفسه بما هي عليه من حالة لا يرضاها، ثم هو - لسبب ما - لا يريد التخلص مما هو فيه بالطريقة السليمة. هنا يأتي دور الحيل النفسية للعقل الباطن من أجل التخلص من الضغط الداخلي الذي سببته له هذه الحالة؛ فلم يجد خيراً من (إسقاط) ما هو فيه على غيره على العاملين معه وسيلة يتخفف بها من القلق والإنزعاج. ثم لا أفضل من أن يكون رأس المؤسسة هو أول من يتوجه إليه بهذا (الإسقاط)؛ لأن هذا يجلب له غاية الراحة، ويمنحه العذر الكافي لتبرير تقصيره وقعوده؛ فإذا كان القدوة هو العلة الأساسية لما يعاني منه ويلام عليه؛ فلا يمكن لنفسه - بعد ذلك - أن تؤنبه، ولا لأحد أن يلومه على تقصيره؛ لأن ما هو فيه سيبدو تحصيل حاصل، ومن باب أولى.

وتأملت في العلاج فوجدت وصفته في أمرين:

1. إرشاد العامل وتشجيعه على طرح معاناته أو اعتراضه بالصورة المقبولة بعيداً عن التشنج.

2. تحديد المهام تجنباً للإرهاق؛ فقد يكون الشاكي على حق، ولا عجب ولا بأس ما كانت شكواه لماماً وأسلوبه تماماً. فمن زاد طوعاً لا كرهاً في عمله، فلا يُحملنَّ أصحابه مسؤولية عبء هو اختاره لله بنفسه، وليكن هِجِّيراه: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) دون ضيق، أو يتخفف منه بالطلب الرفيق. وليستحضر خصال القائد الرسالي في أول سورة (المدثر). وإنما يكلف المرء على قدر عنوانه.

ودون ذلك ربما وصل المرء إلى أخطر الحالات وهي:

 

سادساً: الانقطاع عن العمل بالكلية. وربما زاد فهجر سربه هجراً غير جميل، وسلق صحبه بلسان طويل صقيل. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

2. العائلة

تأتي الزوجة على رأس العائلة في عملية التعويق؛ فكثير من النساء تكون بعيدة عن أجواء العمل القيادي بحكم ظروفها، وتأثير الثقافة الشائعة. وربما كانت الزوجة رقيقة الدين، تغلِّب الدنيا على الآخرة؛ فبدلاً من أن تكون عوناً لزوجها على دينه وقضيته تكون عبئاً عليه وعائقاً في سبيله. وهذا غالباً ما يؤدي إلى ضعف في تقييم الموقف؛ فينتج التذمر من طول غياب الزوج عن البيت. وقد يكون التذمر طبعاً لدى بعض النساء فتكثر منه حتى تسوء العلاقة البيتية فيتأثر الزوج بنسب متفاوتة، إن لم يقتنع تمام الاقتناع بما تقول له وتهجس به إليه، فيتباطأ، وقد يتوقف فينقطع عما كان عليه من قبل من عمل يمثل البطاقة الأرجح في ميزان الحسنات، والخطوة الأفسح في سلّم الدرجات. وفي ذلك يقول سبحانه:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن:14-16): قال ابن كثير في تفسيره ما مختصره: بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون). وقال مجاهد: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه. وذكر في سبب نزول الآيات عن ابن عباس قال: هؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم. فلما أتوا رسول الله رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهمّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الاَية (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم)([1]). إ.هـ.

فذكر فتنة العائلة (الزوجة والولد) إلى جانب فتنة الوظيفة (مثلة بالمال) وحذر منهما معاً. ثم وضع العلاج المناسب لها، وهو من مركّب من ثلاثة عناصر:

1. الأمر بحسن التعامل مع العائلة وذلك بالعفو والصفح والمغفرة.

2. حث الزوج أهله على العمل في السبيل نفسه الذي يسير هو فيه. وذلك من مفردات عموم التقوى المنوه عنها في قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ويؤيد هذا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم:6)؛ فوقاية الأهل من التقوى المأمور بها.

2. الإرشاد إلى أن يتقي المرء ربه قدر استطاعته، ولا يحمل نفسه فوق طاقته، فيقصر في حقها وحق عائلته. وليكن نشاط القائد خاضعاً لقاعدة (ساعة وساعة)، التي ذكرناها في فقرة (الإيمان والتنمية الإيمانية).

فإذا فعل الرجل هذا ثم استمرت العائلة على ما هي عليه، فهو على مفترق خيارين: أن يبتغي أي حل آخر ليحافظ على مستواه ويترقى في مسراه. أو أن يستمر في تأثره وتعثره فلا يحسبن نفسه من ذلك الطراز من القادة، الذي تتجدد به الحياة، وتنتصر الدعوات.

 

3. الوظيفة أو العمل

قد يبدأ الشاب حياته داعياً نشيطاً، يؤمن بأن الحياة الحقيقية هي ما كان صاحبها يعيشها لأداء رسالة. وينتهي قائداً في مؤسسة قبل أن تثقله الوظيفة بأعبائها، أو يكرثه العمل من أجل الكسب بمطالبه. حتى إذا ابتلي ببعض ذلك أو كله بدأ بالتباطؤ شيئاً فشيئاً والتنصل عن مسؤوليات هو تحملها، وهي التي أهلته للقيادة. وربما كان الكسب من أجل كماليات الحياة والتأثل منها، لا من أجل ضرورياتها وحاجياتها. فيؤثر العاجل على الآجل مع رغبته في تصدر العمل القيادي، وينسى أن جدارته التي كان عليها هي التي رشحته للصدارة. وهو اليوم يتطلب صدارة بلا جدارة؛ وهذا لا يكون. وإلى ذلك الإشارة بقوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التغابن:15). وهي حالة خطيرة تنشأ من الغفلة إذا طال أمدها، حذر الله تعالى منها الصحابة رضي الله عنهم فكيف بغيرهم! فقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16).

ما نحتاجه ركناً للمؤسسة وشرطاً لدوام حيويتها وقدرتها على التجدد والإبداع المستمر هو وجود ما يكفي من طراز "القائد الأصيل"، ووضع الضوابط لعدم صعود "القائد الوكيل" إلى رأس المؤسسة. هذا هو الذي يحافظ على قيادية المؤسسة وعدم تحولها إلى مجرد إدارة مهمتها التنفيذ دون القدرة على التوجيه والتعديل.

 


[1]- وكذا رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.

primi sui motori con e-max.it