القائد

بين القامة والعنوان

 

 

في صحراء مترامية المدى، بعد أن أذَّنّا وصلينا المغرب والعشاء، كانت لنا – في ربيع 2014، وكنا أربعة - جلسة على كثيب من الرمل الهتيت، أخذ الفكر والإيمان والقضية منها بنصيب. تناول أحدنا سيرة أشخاص ظلموه، ولاكوا سمعته بغير حق، وكنت شاهداً على ذلك، فأبدى ألمه من اتهامه بما ليس فيه وكيف أن التهمة تسري من فم إلى فم؛ فأنى له أن يرتاح؟ قلت له: دعهم لله يكفك ما أهمك من أمرك. فهز رأسه وتكلم بجمل تعبر عن مدى ألمه وصعوبة حاله. فتوجه إليه أحد الجالسين ليقص عليه موقفاً مر به وكيف أن الله انتقم له ممن ظلمه بعد فترة قصيرة، فألغيت إقامته وأوقفت أعماله وسفّر إلى بلده. فأجابه الأول: ها أنت تقول: إن غريمك سُفّر إلى بلده؛ إذن غاب عن عينك، ومن غاب عن العين نسي فتلاشت مشكلته. لكنني أرى ظالمي على الدوام فكيف أنسى؟

الأمر معقد حقاً؛ فليس من السهل علاجه بمنطق الفكر المجرد. لا بد من دفق يقتلع جذور الأذى من أصولها، ويحملها في مسيله بعيداً عن زوايا القلب ومكامن النفس. ثم يعود على تلك الزوايا والمكامن بمرهمِ آسٍ رفيق يمسحها بلطف فيعالج آثارها، ثم يتركها لتمحى مع الزمن. وهل غير الإيمان المبني على الحقيقة مصدراً لذلك الدفق الآسي الرفيق؟ هذا إن كان لدى المخاطب استعداد لذلك، ولا أراه إلا كذلك.

وكان صاحبي من حملة قضية له فيها باع؛ فقلت له: المرء عنوان وقامة. فهذا خفير وهذا مدير، ولنترك بقية العناوين. وأقصد بالقامة ما لدى المرء من طاقات نفسية وإنجازات عملية، وأقلها الاستحقاق الذي يفرضه العنوان. والناس الخيرون أقسام؛ فمنهم من قامته أعلى من عنوانه؛ فمن الظلم لنفسه أن لا يكون عمله ودوره الاجتماعي بمستوى ما منحه الله تعالى من قابليات فطرية، ومَكِنات مادية، فلا ينميها ويطورها ويجعلها تستطيل صعداً في سماء العطاء الظاهر بما يتناسب وقوة العطاء الكامن. وهذا هو ما يسميه علماء السلوك بـ(علو الهمة)، وكثيراً ما يردد ابن قيم الجوزية هذا البيت متحسراً على كسل الغافلين وغفلة المتكاسلين:

 

قدْ هيأُوكَ لأمرٍ لو فطنتَ له       فاربأْ بنفسِكَ أنْ ترعى معَ الهَمَلِ

 

ومنهم من له عنوان أكبر من قامته فعليه أن يطيل من قامته لتكون بمستوى عنوانه؛ لأن الله تعالى سيحاسبه طبقاً لعنوانه. وكذلك الناس ينظرون إليه من خلال ذلك العنوان ويطالبونه بمستحقاته. وما من شك في أن ما يطالب به المدير أعلى مما يطالب به الخفير. وإلا فليغادر صاحب العنوان عنوانه إلى عنوان آخر يناسبه؛ فهو خير له عند ربه، وأعذر له بين خلقه.

كان نسيم الصحراء يبرد رويداً رويداً، والنجوم تأتلق، مع حلول الظلام وغيبة القمر، أكثر وأكثر؛ فتنتعش النفوس، وتنشرح الصدور لقبول الحق والتعاطي مع النصح. ونظرت فإذا الآذان مصغية لاستقبال المزيد. فليكن قبساً من نور القرآن ومشقاً من عطر سيرة سيد الأكوان (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه الكرام! فمضيت في حديثي أقول ما ملخصه:

 

عبق من السيرة

كان لأبي بكر الصديق (رضي الله عنه) قريب اسمه (مسطح) ينفق عليه ويحسن إليه. فلما خاض المنافقون والذين في قلوبهم مرض في أم المؤمنين رضي الله عنها، خاض مسطح مع الخائضين. ثم أنزل الله جل وعلا - من بعد - براءة عائشة فحلف الصديق أن لا يصل مسطح ولا ينفق عليه أبداً. وهذا تصرف طبيعي، بل هو أقل ما يمكن أن يجازي به رجل رجلاً طعن في عرضه. ولا نعرف أحداً يمكن أن تسخو نفسه فيستمر بالإنفاق والإحسان إلى من فعل ذلك! اللهم إلا اذا بلغ في حسن الخلق من الدرجات أعلاها، وكرم النفس من المراتب أسماها، فينكر ذاته، ويعمل الخير من أجل الخير نفسه خالصاً من ذاته!

كانت هذه الدرجة العالية السامية هي التي أرادها الله تعالى لـ(صاحب) نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال له داعياً ومرغباً: (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور/22). وكان جواب أبي بكر (رضي الله عنه) حين سمع توجيه الله إليه بواسطة رسوله و(صاحبه): (بلى يا رب أحب أن تغفر لي)([1]). وعاد إلى مسطح يصله وينفق عليه!

إن هذه القامة لا يوفق الله إليها غير طراز خاص من المؤمنين يقول عنهم سبحانه: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:35،34). وما كان الله ليرضى من كان له هذا العنوان }(صاحب) نبيه{ إلا أن يكون من ذلك الطراز الذي تطول قامته وترتفع هامته إلى مستوى عنوانه!

الشيء نفسه فعله ربنا مع نبيه (صلى الله عليه وسلم) حين عرض له الصحابي (الأعمى) يسأله ويلح عليه وهو مشغول بدعوة كبراء القوم! فعبس في وجهه ولم يرد عليه. وماذا يمكن أن يتوقع منه غير ذلك؟ فالسائل قد تطفل في الكلام وقاطع النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو مشغول بغيره. وكان الأولى به أن ينتظر حتى ينتهي من كلامه، أو ينصرف ليلتقيه في مكان آخر وظرف أليق. ثم إنه أعمى، والأعمى لا يرى عبوس من عبس في وجهه! لكن الله عاتبه في ذلك أشد العتاب! والسؤال المهم: لو فعل هذا غير محمد (صلى الله عليه وسلم) هل تتوقعون أن يعاتب أو يحاسب؟ لكن الذي (عبس وتولى) هو محمد (صلى الله عليه وسلم)! محمد.. صاحب القامة العظمى والعنوان الأعظم من بين الخلْق أجمعين! لهذا كان العتاب! وكذلك لو كان الذي قطع النفقة عن مسطح غير الصديق لما كلمه الله في شأنه وكلفه بالعود إلى صلته؛ لأن التكليف على قدر التشريف.

والقضية – يا إخوة! – لا يوفق الله تعالى لحملها وقيادتها إلا طرازاً خاصاً متميزاً من الناس.. طرازاً بقامات عالية، ونفوس سامية. وأنتم أهل لذلك إن شاء الله جل في علاه. فلنُطِلْ من قاماتنا لنكون بمستوى عناويننا.

وانتهى الكلام فإذا الصمت سيد الموقف. ولعله علامة الرضا. وقمنا من مكاننا ذلك وقد ازداد النسيم برودة، والنجوم تألقاً، والنفوس والصدور انتعاشاً وانشراحاً.

ويا أصحاب القامات، توجوا رؤوسكم بما يناسب قاماتكم من عناوين.

ولتكن قاماتكم - يا حملة القضية - بمستوى عناوينكم.

 


[1]- صحيح البخاري.

primi sui motori con e-max.it