الهوية السنية

أسباب الفقدان

 

فقدان الهوية السنية

بالرغم من تعرض أهل السنة إلى الظلم والإقصاء الطائفي المعلن على يد الشيعة في البلدان التي يكثرون فيها كالعراق ولبنان، أو يسيطرون فيها على مقاليد الحكم كسوريا، لكن السنة إلى اليوم يعانون من فقدان (الهوية السنية) وتناسيها إلى حد الخجل من ذكرها، والتنصل من الانتماء إليها، ولم يدركوا سر قوتها وارتباط وجودهم بالإعلان عنها. السنة فقط هم الساكتون دون سواهم؛ فلا حرج اجتماعياً في أن يقول الشيعي: أنا شيعي، ويعتز بشيعيته، والكردي: أنا كردي، ويعتز بكرديته، والمسيحي والفيلي، وحتى اليزيدي. كما أن الانتماء إلى الهوية العشائرية أو العائلية لا يجد صاحبه تناشزاً فيه مع الهوية القطرية، ولا غضاضة لو جمع بين الهويتين السابقتين مع الهوية القومية، وفي الوقت نفسه ينتمي إلى الهوية الإسلامية، ولا يرى تناقضاً بين هذه الهويات مجتمعة، حتى إذا وصل الأمر إلى (السنة) بدأ مؤشر الخطر بالظهور!

 

العلة ثقافية لا موضوعية

في مئة السنة الماضية شاعت (الثقافة الوطنية) في أوساطنا، بحيث صارت نداً للهوية المذهبية التي صارت توصم بالطائفية. ومن أسباب ذلكأن حكام العراق، ومعظمهم سنة، وجدوا أنفسهم متورطين في معادلة اجتماعية صعبة الحل، وحكم دولة منقسمة على نفسها بين مكونات رئيسة ثلاثة (السنة والشيعة والكرد) انقساماً مزمناً لم يجدوا إزاءه علاجاً ناجعاً، وإذ عجزوا عن وضع حل سياسي متطور، لجأوا إلى حيلة ساذَجة هي الدعوى بأن العراق شعب واحد، وأن هذا (الشعب) أعظم من أن يفرقه دين أو مذهب أو عرق وأكبر من أن يفكر في مثل هذه الأمور (الصغيرة). فلجأوا إلى المسكنات الظاهرية، ورفعوا شعار الوطن والمواطنة والوطنية، ولعلهم توهموا أن في تلك الشعارات يكمن الحل!

لقد عالجوا الموقف بعبور اللغم لا بتفكيكه وإزالته، فانفجر علينا سنة 2003! ولم يكن ذلك عن جهل منهم بطبيعة تكوين البلد فالملك فيصل الأول - مثلاً - يقول في مذكراته: (أقولها و قلبي ملآن أسى، إنه في اعتقادي لا يوجد شعب في العراق، إنما هناك تكتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمعهم جامعة، ميالون للفوضى، سماعون للسوء).

النتيجة أن العرب السنة هم الوحيدون الذين بلعوا الطعم، وتبنوا (الوطنية) بصدق: حكومة وشعباً؛ بسبب من شخصيتهم (الأبوية) التي يتمتعون بها من الأصل، والتي تميل إلى الجمع وتنفر من التفرق؛ فهم ورثة حضارة وسليلو ملك ولديهم إرث تراكمي في القيادة والحكم يقدر بآلاف السنين. وقد حكوا دولاً وإمبراطوريات يشيع فيها التعدد العرقي والديني، تعاملوا معه بروح حضارية جاء الإسلام فرسخها وعززها بمثل قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْوَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8).

 

كيف حافظ الشيعة والكرد على هوياتهم الخاصة دون السنة

أما الشيعة والكرد فلم يتأثروا بها بتلك الشعارات؛ والسبب قوة الانتماء الطائفي لدى الشيعة بحيث أن البراء من السنة يشكل عندهم عقيدة لا يمكن التخلي عنها إلا في حالة واحدة هي الكفر. يسند هذا العامل العقائدي عامل نفسي متجذر لا يمكن قلعه بحال؛ فالشيعي يعاني من (المظلومية) تجاه السنة إلى حد (العقدة). هذا سوى عقد أخرى متعددة وخطيرة كالثأر والانتقام والحقد والعدوانية. فإذا أضفت إليها الولاء لإيران، ثم تقديس الشيعي للمرجع الذي يشحنهم بالمعاني السابقة وتبعيته له، اكتملت سواتر الدفاع ضد الثقافة الوطنية، وتحولت إلى مجرد ادعاء يستعمله عند الحاجة ثم ينزعه، تساعده على هذه الازدواجية عقيدة (التقية).

وأما الكرد فقد كان التطلع إلى كيان قومي وتأسيس دولة كردية هي الهوية الطاغية على شعورهم، وهي الهوية الجامعة لهم المانعة من الانسياق وراء الدعوات الوطنية؛ لأنهم يجدون تناقضاً بين الهويتين.

وهكذا عمل الشيعة والكرد كل لخدمة كيانه في ظل هويته الخاصة. وحتى يتجنب الحكام والسياسيون إثارة الطائفتين فقد حصلت مداراة نسبية، وغض طرف عن التكلم بالخصوصيات الذاتية لكل منهما. وهكذا صارت (الهوية الوطنية) تقبل كل هوية إلا (الهوية السنية)، فقد صارت هذه الهوية مثار تشنج عند الحكومة وعند المكونات الأخرى؛ لأنها تشعر بخطورتها عليها. وتحول ذلك بمرور الزمن إلى ثقافة اجتماعية. فلا أحد يعجب أو يشير إلى تناقض الثقافة (الوطنية) وضعف منطقها في تعاملها مع التشكيلة التالية من الهويات: (زيباري، سني، عراقي، كردي، مسلم)، أو (دليمي، سني، عراقي، عربي، مسلم).

انتبه! ثمت هوية ناشزة بين هذه الهويات!

إنها تقبل هذه الهويات جميعاً إلا واحدة هي (السني)! هذه من العيب أن تذكرها.

عليك أن تخجل عندما تقول: (أنا سني) في مجتمع عام كدائرة رسمية، أو اجتماع حزبي، أو إذاعة، أو تلفزيون، أو صحيفة، أو حتى على منبر مسجد في خطبة جمعة! بل ربما لا تسلم من تهمة (الطائفية) صعوداً إلى (الوهابية). قل: (أنا دليمي، عراقي، عربي، مسلم) لا شيء في ذلك. أما (سني) فلا!

لا أحد يجرؤ على أن يقول: ما المشكلة في أن يجمع المرء بين هذه الهويات؛ بشرط تلاؤمها في منظومة تأخذ فيها كل قيمة من هذه القيم استحقاقها بحيث لا يطغى بعضها على بعض في سلم الاستحقاق التراتبي الذي يرعى التوازن نظرياً وعملياً؟!

العلة إذن في الثقافة، وليست في الهوية.

 

سيرورة الأمور بين الدعوى الوطنية والانتماءات الطائفية

حقيقة العراق أنه بلد يتألف من عدة مكونات عرقية ودينية (لا تجمعهم جامعة)، يأتي على رأسها المكونات الثلاثة الرئيسة: السنة والشيعة والكرد.

طيلة العقود الثمانية (1921-2003) التي استغرقها عمر (الدولة الحديثة) كان الشيعة والكرد - دون السنة - كل منهما يعلن بهويته، ويسوق لمظلوميته، ويطالب بحقوقه، فكانت له (قضية) وصلت حد (التدويل) الذي تمكن به من لفت أنظار العالم الخارجي، وجلب معونته بشتى صورها، وآخرها الاحتلال. وبما أن المكون الثالث (السنة) ساكت يأنف من تسمية نفسه بالاسم المُناظر، ورأس الحكم (الملك أو رئيس الجمهورية) من هذا المكون دون المكونين الآخرين، فقد تشكل انطباع بأن السنة هم الجانب الظالم في المعادلة الثلاثية. هذا لا يعني أنني أنفي حصول ظلم من الحكومات المتعاقبة. لكن هناك فرق بين أن يكون الظلم (طائفياً) يسلطه (السنة) كسنة على الشيعة كشيعة، والكرد ككرد، وبين أن يكون الظلم (سياسياً) تمارسه الدولة لأسباب سياسية (الشيعة يريدون إزاحة الحاكم والاستيلاء على الحكم لأسباب طائفية دينية، والكرد يريدون الانفصال وتكوين دولة قومية تجمع الأكراد في المنطقة لأسباب قومية عرقية). وهذا الظلم لم تكن الحكومة تمتنع من توجيهه إلى السنة متى ما اقتربوا من كرسي الحكم. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الدولة لم تكن دينية سنية، وإنما كانت علمانية وطنية حقاً. وكان الحزب الأكبر للسنة وهو (الإخوان المسلمون) ممنوعاً قانوناً في دولة (البعث)، مضيقاً على أتباعه، لا يجرؤ أحدهم أن يفصح عن انتمائه؛ فتلك جريمة قد تصل بصاحبها إلى الإعدام!

مجمل القول أن (السنة) نظر إليهم المكونان الآخران نظرة طائفية كل من زاويته الخاصة: فبدل أن ينظر الشيعة إلى السنة كعرب، وينظر الكرد إليهم كسنة، كان الأمر معكوساً تماماً؛ فهم في نظر الشيعة (سنة)، وفي نظر الكرد (عرب). وظهروا في نظر العالم بمظهر الظالم المتسلط. وهكذا وعلى أساس هويتهم (السنية) جرى تهميشهم وإقصاؤهم بعد الاحتلال، وصار الشيعة والكرد حلفاً واحداً في مقابل السنة، الذين ظلوا يصرخون: نحن عراقيون: لا فرق بين شيعي وسني، وكردي وعربي. ويتقربون للكردي أكثر فيقولون له: نحن جميعاً سنة. لكن دون أن يصغي إليهم أحد، سوى تعاطف طبيعي مبهم من عوام الشعب الكردي وعمومه، لم يتجاوز العاطفة إلى الفعل المؤثر. ولا ألقي باللوم على غيرنا، فحتى تريد لا بد أن تكون، وحتى تكون لا بد أن تتكون. ولا كيان بلا هوية. والهوية ضائعة!

وهكذا لم يلتزم بالهوية الوطنية أو العقد الوطني ويبتعد عن المسميات الخاصة سوى السنة، الذين ابتعدوا عن هويتهم فخسروا في النهاية ذاتهم ووطنهم، وكما قال ناعق الشيعة يوماً: "لكم الوطنية ولنا الوطن"! وهي مقولة تلخص حقيقة المأساة، وتضع الأصبع على موضع الداء.

 

الهوية السنية بين عرب المشرق وعرب المغرب

للجغرافيا والموقع الجغرافي أثر كبير في تكوين سياسة المجتمع وفكره وثقافته وتشكيل هويته والتعبير عن دينه.

يعاني المشرق العربي (الأحواز ودول الخليج العربي واليمن والعراق والشام، باستثناء فلسطين) من تحدٍّ خطير يميزه عن المغرب العربي بحكم موقعه الجغرافي، هو التحدي الإيراني الشيعي (التحدي الشرقي).

ينظر المغرب العربي إلى التحدي الشرقي بتثاؤب؛ عاداً إياه أخاً مسلماً وصديقاً ودوداً. وفي أشد الحالات خطراً مبالغاً فيه. وما يثيره بعض المشرقيين من شكوى تجاهه فسببه (التطرف المذهبي)، وهو وراء التصرف (الطائفي) ضد (إخوانهم) الشيعة. أو بسبب العنصرية (القومية) عند القوميين العرب ضد (إخوانهم الفرس المسلمين). وهكذا اختل الميزان بحيث تجاوز الأمر المساواة بين الجلاد والضحية إلى انقلاب الضحية جلاداً والجلاد ضحية!

 

ضعف الشعور بـ( الهوية السنية ) عند عرب المشرق

المفارقة الكبرى في هذا التمايز هي ضعف الإحساس بالخطر الشرقي لدى عرب المشرق ضعفاً يصل بالأغلبية منهم إلى درجة الانعدام التام. ولولا العقيدة السلفية، عند طائفة من المتدينين التي هي بالضد من العقيدة الشيعية، ولولا (القومية) العربية عند طائفة من السياسيين، التي هي بالضد من (الشعوبية) الفارسية لما بقي أحد يشعر بالخطر الشرقي! لكن فريق المتدينين ينظر إلى الخطر من زاويته العقائدية أكثر من جوانبه الاجتماعية والسياسية. وفريق القوميين ينظر إليه من زاويته السياسية أكثر من جوانبه العقائدية والدينية والاجتماعية. متخلين عن الموقف الصحيح.. المزج بين الأمرين. وهو ما صارت السلفية تحث الخطى نحوه، والقومية تتجه إليه ولكن ببطء.

إن المغرب العربي كان تحديه على مر التاريخ غربياً خارجياً، فضمر لديه الشعور بالخطر الإيراني الشرقي ورديفه الشيعي، وتبعاً لذلك ضعفت الحاجة عنده إلى (الهوية السنية) الداخلية. وجاء الاحتلال اليهودي فزاد الضعف ضعفاً إلى درجة تقرب من العدم. فهو يرفع الهوية الإسلامية دون شعور بالحاجة إلى ما هو دونها من الهوية السنية. وهذا انعكس بدوره سلباً على المشرق العربي ففقد - أو كاد - (هويته العربية السنية) أمام التحديات الفارسية الشيعية.

 

أسباب ساعدت على تغييب ( الهوية السنية )

مما ساعد على تغييب حاجة عرب المشرق لهذه الهوية أمور منها:

  1. 1- سعة انتشار الثقافة العربية المغربية بسبب قوة إعلامها، وكثرة دعاتها.
  2. 2- الاستعمار الغربي الذي اجتاح المنطقة العربية بمشرقها ومغربها، فأزاح الأنظار عن دائرة التركيز على الخطر الشرقي.
  3. 3- احتلال اليهود لفلسطين، وتدنيسهم لبيت المقدس، وما لهذا البيت من قدسية في نفوس العرب والمسلمين. فكان ذلك سبباً لطغيان القضية الفلسطينية على القضية السنية. وتمت المصيبة بتظاهر إيران بالدفاع عن فلسطين، ولاقى ذلك هوى عند كثير من الفلسطينيين، فصاروا يلمعون صورة إيران وشيعتها في أنظار الآخرين.
  4. 4- الحكم العلماني الذي يتطير من ذكر دين الإسلام والمذاهب والطوائف. وتنفث أبواقه فكرة اللافرق بين الشيعة والسنة، جاعلة من الفكرة و(الهوية الوطنية) البديل لذلك. وحتى القوميون الذين يعادون إيران إنما ينظرون إليها من زاوية (القومية) لا من زاوية الدين و(السنية). فأقروا التشيع ودافعوا عن الشيعة.
  5. 5- شيوع فكرة (المذهبية) تعبيراً عن الفرق بين السنة والشيعة إن احتاجوا إليه، معتبرين التتشيع مذهباً إسلامياً معتبراً كباقي المذاهب الإسلامية، وليس ديناً آخر.

إن هذا جعل المجتمع يتقبل الشيعة كجزء من النسيج الاجتماعي، ويبتعد عن تبني الهوية السنية كأداة تعبير أمام الهوية الشيعية، عاداً ذلك نوعاً من الفتنة والفرقة والطائفية المرفوضة بحكم الشرع أولاً وقبل أي اعتبار آخر، وعلى لسان (رجال الدين). حتى قال لي أحد العلماء المقدمين في (هيئة علماء المسلمين): ليس من الإسلام القول بالفرق بين السنة والشيعة!

لكن ما حصل بعد احتلال العراق وتداعياته من تغول الشيعة وتمددهم في دول المشرق وتجاوزهم في حماقاتهم إلى بعض دول المغرب لفت الأنظار إلى خطر الشيعة وإيران. وهذا يوفر لنا مُناخاً مناسباً للتبشير بـ(الهوية السنية)، وإبرازها وترسيخها في أوساط عرب المشرق وتذكير عرب المغرب بها. وأنها هي (الهوية) المعبرة عنا في مواجهة أخطر التحديات؛ فالخطر الذي يجتاحنا اليوم خطر داخلي متمثلاً بـ(الخطر الشرقي): الشيعة وإيران، أكثر مما هو خطر خارجي غربي متمثلاً بالغرب واليهود. وليس بالإمكان تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائلي قبل تحرير العراق والمشرق العربي من الاحتلال الشيعي والإيراني.

primi sui motori con e-max.it