الهوية

بين الإسلامية والسنية

 

يخلط الكثيرون في باب الهوية بين ثلاثة أشياء: الإسلام، والإسلامية، والسنية.

وهذا ناتج عن عدم المعرفة بفقه الهوية؛ ولا عجب فهو فقه جديد كل الجدة، ومجهول كل المجهولية من قبل (فقهاء الفروع).

ما هي الهوية؟

الهوية هي ما ميّزك عن غيرك، وعبّر عن خصوصيتك عند الحاجة إلى التميز.

ومن شرطها علينا كمسلمين أن لا تتناقض مع الدين. لكن ليس من شرط الهوية أن تكون دينية. فقد تكون الهوية بحسب المهنة: فهذا فلاح، وهذا معلم، وذاك جندي، وآخر تاجر. وقد تكون بحسب العشيرة: فهذا جبوري، وهذا دليمي، وذاك مشهداني، وآخر تميمي. وقد تكون قطرية: فتنقسم ما بين عراقي وسوري وكويتي ومغربي. وقد تكون نسبة إلى القومية: فهذا عربي وهذا كردي وثالث ألماني ورابع هندي.. وهكذا. وهذه الهويات جميعاً ليست دينية، ولكنها سائغة شرعاً ما دام أنها لا تتعارض مع الدين. وقد تكون الهوية دينية عندما يكون التقابل بين أصحاب الديانات المختلفة: فهذا مسلم، وذاك نصراني، وهذا بوذي وذلك يهودي.

 

حاجة الهوية إلى التناظر

انظر إلى العبارات التالية: حسين معلم وشمعون يهودي، أو سلمان جبوري وجلبرت ألماني، تجد هناك تناشزاً غير مستساغ؛ فما الرابط بين كون أحدهم معلماً والآخر يهودياً، وما العلاقة بين كون فلان جبورياً وفلان ألمانياً. لكن لو قيل: حسين معلم وشمعون عتال، وسلمان عربي وجلبرت ألماني، تكون العبارات متناسقة. والسبب أن الهويات إنما تطلق متناظرة: فهي إما مهنية أو قومية أو عشائرية... وهكذا.

وهنا نصل إلى مكمن الخلل في قول البعض: لماذا نقول "سني" ولا نقول "مسلم"؛ أليس الإسلام أعظم وأشرف من كل هوية؟ ونقول: بلى، ولكن الهوية ليست هي الديانة شرطاً، والإسلام – في عرف المجتمع الداخلي والخارجي – يضم الشيعة إلى جانب السنة، فالهوية الإسلامية لا تمنح السني التميز المطلوب عن الشيعي. ونحن في هذه المرحلة في أمس الحاجة إلى تميز الشيعة عن السنة. والتشيع – في العرف المحلي والعالمي – يعتبر مذهباً من مذاهب الإسلام. نعم هو – في حقيقته – دين آخر غير الإسلام، ولكن هذه الحقيقة لم تأخذ مداها وحجمها لتصبح حقيقة مسلمة متعارفاً عليها، بحيث إذا أطلقت فهمها الجميع على أنها دين قائم بذاته غير دين الإسلام. وإلى ذلك الحين نحتاج إلى تمييزه والتميز عنه باسم فارق لا جامع، وليس غير اسم (السنة) يحقق هذا التميز، فتكون (السنية) هي (الهوية) المميزة في زمن ما زال الإسلام هو الهوية الجامعة. وما نحتاجه اليوم هو الهوية المميزة الفارقة لا الهوية الخالطة الجامعة.

وبهذا تدرك الخلل في قول بعضهم: لماذا لا نقول نحن (إسلاميون) ونكتفي بـ(الإسلامية) بدلاً عن (السنية)؟ فـ(الإسلامية) هي الهوية المميزة عن (العلمانية)، ولا تمنح التميز المطلوب عن الشيعة والهوية (الشيعية)، الأمر الذي لا يحققه غير السنة والهوية (السنية). التحدي الذي نحن بصدده شيعي لا علماني، فلا بد أن تكون الهوية نظيرة له، و(الإسلامية) نظيرة (العلمانية) لا (الشيعية)، فنرفعها هوية مميزة عندما نكون بصدد التحدي العلماني. والإسلام دين نظيره الكفر أو الأديان الكفرية، فنرفعه كهوية عندما نكون وجهاً لوجه أمام التحدي المعروف بكفره. وهنا يكون الإسلام ديناً وهوية في وقت واحد.

 

حاجة الهوية إلى النظير المنافس

أساس منشأ (الهوية) هو وجود نظير منافس بهوية أو اسم يميزه. فالإسلام – في البديئة – كان هو الهوية إضافة إلى كونه هو الدين بطبيعة الحال. ثم لما وجدت الفرق المنافسة التي تدعي الحق وتمثيل الإسلام – وأولها الرافضة والخوارج – احتاج المسلمون إلى هوية تميزهم عن هؤلاء لكونهم يصطبغون بالإسلام فيختلط أمرهم على الناس، ويلتبس الحق بالباطل. وذلك من التميز الذي دعا إليه القرآن في عدة مواضع كقوله سبحانه: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (الأنفال:37)، وقوله: (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (الأنعام:55)؛ فكانت (السنة والجماعة) هي الهوية المميزة لأهل الحق في مقابل هذه الفرق. وغني عن القول بقاء الإسلام هو الهوية أمام الديانات الخارجية كاليهودية والمسيحية. وهذا يعني أن الهوية النظيرة لها ملحظان: فهي علة منشئة، وهي حاجة مميِّـزة (بكسر الياء).

وعلى هذا الأساس نقول: حتى تتم الفائدة من تبني (الهوية السنية) والتأكيد عليها، يحتاج ذلك شرطاً إلى ذكر (الهوية الشيعية) والتنديد بها. لقد اضطر البعض –على قلة- في الأوان الأخير، أو تجرأوا - على خوف – فصاروا ينطقون باسم (السنة)، لكنهم يُعرضون عن ذكر (الشيعة). وهذا نقص في (الهوية) يمنع حصول التأثير المنشود لتبني (الهوية السنية) ما لم تذكر (الهوية) النظيرة المنافسة، ويصرح بأن الشيعة هم خصومنا، وهم أعداؤنا، وهم آكلو حقوقنا وظالمونا، بلا مواربة.

 

العلاقة بين الهوية والتحدي

وإذا كانت (الهوية) تنشأ من الجذور التي ينبع منها التكوين، فإن التحدي هو الذي يظهرها، أي يظهر أي جذر من الجذور هو المطلوب ظهوره على السطح معبراً عن الكيان المتحدى. ففي حالة حصول خصومة واحتراب بين قبيلتين تلجأ كل قبيلة إلى اسمها القبيلي الخاص كهوية تعبر بها عن ذاتها تعينها على خوض الصراع ودفع الظلم وتحصيل الحق. بينما تتغير الهوية فتأخذ اسماً أوسع عندما يكون الصراع بين دولتين من القومية نفسها أو الدين نفسه. وتضيق الهوية بضيق المكون.

يلاحظ هنا أن الهوية العامة الجامعة، لا يتم تبنيها في حال وقوع الخصومة الخاصة الفارقة؛ فالقبيلة تلجأ إلى اسمها الخاص بها المميز لها، والدولة كذلك. فلو احترب العراق - مثلاً - مع الكويت، يقال: الحرب بين العراق والكويت. لكن عندما تكون الحرب بين مجموعة من الدول العربية وإسرائيل – مثلاً – يلجأ إلى الاسم العام فيقال: الحرب بين العرب وإسرائيل. ولو افترضنا أن دولاً إسلامية خاضت الحرب إلى جانب العرب، هنا يكون اللجوء إلى اسم عام أوسع هوية تجمع بين الأطراف وتعبر عنهم مجتمعين، هو الإسلام، فيقال: الحرب بين المسلمين واليهود.

إذن كلما اتسعت دائرة التحدي كبر الاسم أو (الهوية) المعبرة، وكلما ضاقت الدائرة صغر الاسم والهوية. وهكذا هو الشأن في الصراعات الداخلية: المذهبية، والطائفية، والقبيلية، والطبقية، وحتى الوظيفية. فيعطى لكل تحد ما يناسبه من هوية. ولا يصح خلط الأمور وقلبها بحيث يكون التعبير عن التحدي الأصغر بالهوية الأكبر، وعن التحدي الأكبر بالهوية الأصغر. وعلى هذا الأساس لا تكون الهوية الإسلامية الأكبر معبرة عن الهوية المطلوبة في صراعنا مع الشيعة، وليس غير الهوية السنية يقوم مقامها في هذا الصراع.

إن التحدي الخارجي يواجه بالهوية العامة. والتحدي الداخلي يواجه بالهوية الخاصة. فالتحدي الغربي اليهودي يواجه بالهوية الإسلامية العامة. لكن التحدي الإيراني الشيعي يواجه بالهوية الخاصة وهي (الهوية السنية)؛ لأن الأول خارجي، والثاني داخلي على اختلاف درجات الداخلية، فإيران إلى جانب شيعيتها تحمل الهوية الفارسية العنصرية وتواجه الهويات القومية الأُخرى - كالعربية والكردية والبلوشية والأذرية - بشعوبية حاقدة، فيصبح إبراز (الهوية القومية) ضمن المدى الشرعي جزءاً من معادلة المواجهة.

 

الخلاصة

نخرج مما سبق بخلاصات مختصرة أهمها:

  • • الهوية ما ميزك عن غيرك، وعبّر عن خصوصيتك عند الحاجة إلى التميز. وأعظم الحاجة حين تدخل معركة مصير مع من تحتاج إلى التميز عنه. وسوى السنية لا يميزنا عن الشيعة.
  • • أنا مع الكافر مسلم ومع الفرنسي عربي ومع العربي عراقي ومع العراقي دليمي ومع الدليمي حلبوسي... وهكذا. كما أنني مع الشيعي سني.
  • • ليس من شرط الهوية أن يقحم الدين فيها ضرورةً.
  • • يتوهم البعض أن الإسلام أو الإسلامية هي هوية المعركة مع الشيعة. الإسلام دينك وهو هويتك مع الكافر، والإسلامية صفتك وهي هويتك مقابل العلمانية.
  • • معركتنا اليوم مع الشيعة، فينبغي للمسلم أن يبرز الهوية السنية دون غيرها. الإسلام والإسلامية لا يعبران عن هوية معركتنا مع هذا الصنف من الأعداء. وانظروا كيف تحرص إيران والشيعة على التخفي وراء (الهوية الإسلامية) كما يتخفى السرطان في نسيج الجسم نفسه؛ إن الشيعة يلبسون لباس الإسلام فلا يعزلهم عنا ويعجل في نهايتهم سوى الهوية السنية. وكان من أسباب حصاد الشيعة لجهود المقاومة السنية عدم وضوح هويتها في معركة وجودها. لقد توهمت أن (العراقية) والمسحة الدينية يكفيان لكسب المعركة.
primi sui motori con e-max.it