الأسباب الموضوعية لتبني العروبة

 

 

تميز الإمام أحمد، والحنابلة عموماً بالتأكيد على العروبة؛ بسبب نشأة المذهب في العراق القريب من إيران، واحتكاكه الشديد بالشعوبية، وظهورها في زمن نشأته أكثر مما كانت عليه أيام الإمام أبي حنيفة. وهي الأسباب نفسها التي تدفعنا إلى تبني العروبة في موقعها المناسب من معادلة المشروع.

أضف إلى ذلك أن العراق يراد له أن يسلخ عن هويته، ويفصل عن أمته، ويجرد من عروبته. وهناك عدو عنيد مكابر هو إيران، يناصب هذا القطر العداء على مر التواريخ والعصور، يريد أن يبتلعه بفارسيته، ويسحقه بشعوبيته، ويجتثه من جذوره، ويسلبه حقوقه في الهوية والانتماء. ثمة ظلم وخطر؛ فثمة قضية إذن.

وإيران تعتبر العراق جزءاً منها! تدفعها نفسية جمعية منحرفة، يغذيها إرث استعماري قديم قدم التاريخ. فهي كانت تغزوه دائماً، وتستوطنه ما قدرت على ذلك. وتقيم فيه المئات من السنين. كان آخرها قبل الفتح الإسلامي، وقد استمر إجمالاً ألفاً ومائة وخمساً وسبعين سنة (539 ق.م - 636 ب. م). وما من حضارة قامت في العراق إلا وكان تدميرها على يد شعوب إيران: وهذه هي المراكز الحضارية الستة في التاريخ التي قامت في العراق، وأماكنها وتاريخ تدميرها على يد إيران:

  • • أكد (2160 ق. م) وعاصمتها في المحمودية (جنوبي بغداد)
  • • وسومر (2006 ق. م) في المثنى (الجنوب)
  • • وآشور (612 ق. م) في نينوى (الشمال)
  • • وبابل (539 ق.م) في بابل (الوسط)
  • • والحضر (242 ب. م) في نينوى
  • • وبغداد (1258 ب.م ، و 2003 ب. م)

ومن إيران انطلقت الحركة الشعوبية الحاقدة ضد العرب، تتآمر في سبيل تشويه مآثرهم، وتحريف تاريخهم، والقضاء على ملكهم، وحضارتهم ودينهم. وشجعها الحكام الإيرانيون - وأولهم البويهيون - واحتضنوها، ودعموا دعاتها.

وظلت إيران تحلم بإعادة العراق إلى إمبراطوريتها، وضمه إليها، وتحن إلى سابق عهدها قبل الإسلام. وما الاحتلال البويهي الذي استمر قرناً ونيفاً إلا صورة من صور تحقيق ذلك الحلم. واحتل الصفويون بغداد مرتين.

إيران هي الدولة الوحيدة التي لم تعترف بالعراق عضواً في عصبة الأمم في عشرينيات القرن الماضي. وظلت مصرة على موقفها الغريب هذا، حتى أجبرتها السياسة - وتداخلاتها مع بريطانيا - ليتغير الموقف عام 1929. بينما كانت من أوائل الدول، التي اعترفت بكيان إسرائيل، كدولة مستقلة منذ عام ‏1951،‏ أي بعد نشأته بحوالي ثلاث سنوات فقط.

وقد استغلت إيران بريطانيا وخوفها من روسيا آنذاك، فتآمرت معها، وقامت باحتلال قطر الأحواز عام 1925 في مقابل صد الخطر الروسي. والحكام الإيرانيون ما فتئوا يصرحون من قديم الزمان بالعراق جزء من إيران. ومرة بعد مرة يطيش رأس المسؤول الإيراني بذلك الحلم؛ فيأخذ بالهذيان، وتظهر النوايا على صفحات اللسان. حتى جاء الخميني صاحب (الجمهورية الإسلامية) ليعلن وزير خارجيته (صادق قطب زادة) أن العراق جزء من إيران. وبسبب هذه التصريحات، وما جرت على الحدود من تحرشات واعتداءات وقعت الحرب التي استمرت ثماني سنين.

ولا تخفي إيران اليوم حلمها في ضم دول الخليج والعراق تحت جناحها! وقد ضمت غيره من قبل كالأحواز والجزر الإماراتية الثلاث، ومساحات شاسعة من أرض العراق الحدودية.

إن التحسس من العروبة لدى بعض (الإسلاميين) إنما هو من بقايا ردة الفعل من (القوميين) الذين جعلوا العروبة فوق كل اعتبار، حتى إن بعضهم اتخذها ديناً بديلاً عن الدين.

لقد اشتطت (القومية) في القرن الماضي، فأدى هذا بـ(الإسلاميين) إلى أن ينتقدوها، أو يذموها، ويردوا على أهلها تطرفهم وتجاوزهم. ومنهم من اشتط وتطرف في رده وذمه. ولكن كل شيء موكول إلى ظرفه وملابساته وزمنه.

لقد انتهت تلك الموجة ، أو انكسرت حدتها ، وعادت نسبة معتبرة من (القوميين) إلى جادة الصواب والوسطية. واليوم قد جاء زمن آخر، وطغت موجة أخرى. إذ تضاءلت الدعوة القومية البديلة، حتى خفت صوتها، ويكاد يختفى صداها. والقوى العالمية تريد تمزيق العرب، وما عادوا يتبنون تلك الدعوة في مقابل الإسلام. والفرس يطعنون في العرب والعروبة، وقد ابتلعوا الأحواز والجزر العربية وغيرها من ربوع بني يعرب. ويطمحون اليوم لابتلاع العراق. فليس من الدين والعقل والسياسة والحكمة أن نظل نردد مقولات هي نتاج ظرف قد تغير، ومماحكات زمن قد ولى وانقضى.

primi sui motori con e-max.it