التقاء السنن الربانية

في المشروع السني

 

 

nq3يقول تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ).

المسلم يعمل ويقيم مشروعه الرباني وعينه على شيئين:

1. التوافق مع سنن الشرع.

2. والتوافق مع سنن الكون.

فإذا تم التوافق في أبعاده الثلاثة فهو على الحق. وإلا كان عليه إعادة النظر فيما يعمل وما يبني من مشروع.

إن قوانين الله تعالى أو سننه في كونه واحدة، لكنها تتخذ مظاهر متعددة. مثلاً: قانون (الكتلة الصغيرة تنجذب نحو الكتلة الكبيرة)، قانون كوني عام يشمل الحياة في عوالمها المنظورة وغير المنظورة في النفس والآفاق nq4والاجتماع والسياسة والعسكرية. وهو قانون معروف من قوانين الفلك والفيزياء، ومعبر عنه رياضياً بدقة. لكنه في كل مجال وعلم يتخذ مظهراً يناسبه. فالجرم الصغير كالقمر يدور حول الجرم الكبير وهو الكوكب، والكوكب ينجذب نحو الشمس، والشمس نحو المجرة... وهكذا.. هذا في عالم الفلك. والإنسان ينجذب بطبع نفسه إلى من هو أكثر منه علماً فيتبعه، ويخضع لمن هو أقوى منه سلاحاً أو أعلى منه رتبة عسكرية فيطيعه. وأقرب مثال دوران العالم في فلك أمريكا. والفقير يدور حول الغني: فرداً ومجموعاً في عالم الاجتماع. والشخصية الآسرة – إذا انتفت الموانع - تجذب حولها من هو اقل منها آسرية. والجميل مصدر جذب كبير لمن حوله. هذا في مجال عالم النفس.

وسنة الله في شرعه تلتقي بسنته في كونه؛ وسنة الشرع هي قول الله وأمره، كما أن سنة الكون هي فعل الله وخلقه. وقول الله لا يناقض فعله، ولا أمره خلقه.. ولا العكس.

إذن حين يلتقي المشروع: منهجاً وبرنامجاً مع سنة الله في كونه فاعلم يقيناً - كتحصيل حاصل - أنه يتفق مع شرعه؛ فأنت على صواب، وأنت على حق. فامض لما أنت عليه، ودعك من المخالفين والمخذلين والمتخاذلين: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) (النمل:79-81).

لنأخذ على ذلك مثالاً من النفس.. جسم الإنسان.

 

( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) .. جسم الإنسان مثالاً

مكونات جسم الإنسان الرئيسة: رأس وقلب وأعضاء وزيادات.

nq6nq5يمثل الرأس القيادة الأعلى للجسم، بقسميه: غير المنظور (وهو العقل الذي يمثل القائد الأعلى)، والمنظور (وهو الدماغ الذي يمثل منظومة القيادة العليا).

ويمثل القلب القيادة الميدانية للجسم.

أما الأعضاء فتمثل الإدارات التنفيذية.

وهناك زيادات: منها ناتج طبيعي، ومنها تالف: طبيعي أو مرَضي.

جسم الإنسان بأجزائه الأربعة، يمثل المشروع بشقيه: المدني وغير المدني. اذا استحضرته في ذاكرتك كنت على بصيرة دائمة من المشروع. وإليك التفصيل..

 

1. العقل:

الرأس فيه شيئان: منظور وهو الدماغ. وغير منظور وهو العقل.

nq7العقل - مستعيناً بمؤثرات أُخرى - يحدد مسار الإنسان في حياته. هذا يكون معلماً، وهذا فلاحاً، وهذا عسكرياً... وهذا ينحو إلى الإلحاد فيميت الروح، وهذا يختار الايمان بفسح المجال للروح لـتأخذ مسارها في إنعاش نفس الإنسان والتحليق بها نحو فضاءات لا تحد من العلو الإيماني.

والعقل هو الذي يقرر متى يستعمل الإنسان رأيه، ومتى يجنح إلى يديه؟ وهكذا بقية القرارات بلا استثناء.

العقل يمثل القائد الأعلى وقمة الهرم في القيادة المدنية للمشروع.

هو الذي يحدد المسار الكلي بالشورى التشاركية مع أهل الشأن.

وإليه ينتهي القرار في توجيه القوة العسكرية والقوة السياسية الناشئتين من الجسم المدني، وليس العكس كما هو الواقع، ويقرر متى يستعمل هذه ومتى هذه.

هو مصدر الإلهام الفكري، ومنبع الحنان الأبوي، والاحتواء الأخوي لأعضاء المؤسسة، والاستيعاب الكلي لهم ولغيرهم.

وهو مغرس الأمل الجميل، ومبعث الحلم اللذيذ. يحلق بالواقع إلى آفاق جديدة فيكتشف الحقائق في فضاءاتها، ويستشرف المستقبل في آمادها. لكن مع هدهدة الواقع فيسحبه مرة ويطلقه أُخرى لتتزن المعادلة السديدة بعنصريها: الحلم المحلق المتجدد والواقع المدقق المقيد.

 

الروح

لا بد للعقل – في نهاية المطاف ومبتدئه - أن يكون حراكه منضبطاً بإيقاع الوحي، وحكمه مسدداً بمسار الشرع. وهذا معنى كون مؤسستنا ربانية ومشروعنا ربانياً. وهنا تأتي الروح متربعة على عرش العقل لتعطيه معنى الربانية الخالد، وتمنحه تحليقاً على تحليق وتسديداً على تسديد (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور:35).

 

2. الدماغ

nq8الدماغ هو أشرف عضو في الجسم، يسيطر على حركات الجسم الإرادية وغير الإرادية والواعية وغير الواعية. ويفسر ما يثير حواسه الخمس من محفزات.

يمثل الدماغ - ومن فوقه العقل - في المشروع القيادة العليا التي لها الهيمنة والرقابة والمتابعة والتغيير والتعديل والتشريع ورسم السياسات، تناغماً مع واقع الناس، وقاعدة البيانات الراجعة.

يماثل الرأس في الجسم مرحلة التحصين في (المشروع) الذي يقوم على إنشاء جهاز قيادي أعلى. كما يماثل – من ناحية أُخرى - (النواة الصلبة) في معادلة (توحيد القوى).

 

3. القلب

nq9روى البخاري عن النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)([1]).

يتميز القلب عن بقية الأعضاء بأن علاقة الدماغ به تنظيمية لا تحريكية. تنتج حركة القلب من نبض ذاتي مستقل كلياً عن الدماغ، وذلك من نقطة قرب اتصال الوريد الأجوف العلوي بالأذين الأيمن. أما دور الدماغ فيقتصر على السيطرة والتنظيم طبقاً للحاجة: تسريعاً بواسطة العصب السمبثاوي (sympathitic)، وتبطيئاً بواسطة العصب الباراسمبثاوي (Parasympathitic). وقد تظهر مرَضياً أكثر من بؤرة نبضية في القلب، تستدعي علاجاً قد يصل الى حد التداخل الجراحي. وقد دلت بحوث حديثة على أن للقلب شبكة عصبية تشبه الدماغ في صلتها بالتفكير. ولا عجب فقد قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج:46).

يمثل القلب القيادة الميدانية (القاعدة القائدة) التي ينبغي أن تفكر وتجتهد وتتصرف ذاتياً ولكن ضمن سقف محدد تحت إشراف القيادة العليا تسريعاً وتبطيئاً، وهي تبث الحياة في الجمهور السني، أو (الحاضنة الساندة)، من خلال أعمال مجتمعية نافعة. على أنه لا يسمح لبروز استقطابات وتكتلات خارج نطاق القيادة الميدانية المتفق عليه، وخارج إشراف وتنظيم القيادة العليا للمشروع.

يمثل القلب بذلك مرحلة (التكوين) - بشقيها: القاعدة القائدة والحاضنة الساندة - في (المشروع السني)، و(البؤرة الجاذبة) في معادلة (توحيد القوى). ومرحلة (التكوين) أهم مرحلة في المشروع. إذا صلحت صلح المشروع كله، وإذا فسدت فسد المشروع كله. وهي ما يفتقر اليها سنة العراق والمنطقة كلياً.

على القائد الميداني أن:

-         يعمل بطريقة تجمع بين اللامركزية والمركزية؛ فهو حر يجتهد ويستجيب للتغيرات الحادثة والطارئة، ولا يظل جامداً خامداً هامداً ينتظر الأوامر تفصيلياً من فوق. وذلك ضمن الضوابط والمجال المسموح به من هناك.

-         ويتخلص من صفة الإبنوية الكلية التي تعطل الحركة، إلى صفة الأبوية المنضبطة بالأبوية العليا. ولنا دليلاً على هذه القاعدة قصة الطفيل بن عمرو الدوسي نموذجاً واضحاً يؤتسى به.

 

4. الأعضاء

nq10تختلف أعضاء الجسم عن القلب في أن علاقتها بالدماغ علاقة اعتمادية كلية: تحريكاً وتنظيماً، وليست هي تنظيمية فقط، كما هو الحال مع القلب.

أعضاء الجسم في حاجة إلى إيعاز من الدماغ لتبدأ بالعمل: حركة وحساً. فالعضلات المحركة لا تتحرك ابتداء ما لم يصلها إشارة من الدماغ بواسطة الأعصاب الحركية (Motor nerves)، ومواضع الإحساس ليس لها قدرة على تفسير ما يثير الشعور بالألم والحرارة والنعومة والخشونة وغيرها من أنواع الشعور ما لم تستلم تفسيراً بذلك من الدماغ عن طريق الأعصاب الحسية (Sensory nerves). وجميع الأنشطة الخادمة للجسم الصادرة من الأعضاء المختلفة كالكبد والكلى والجلد والأوعية الدموية لا تتحرك ولا تنظم حركتها إلا بإيعاز من الدماغ يحكمها كلياً.

تمثل الاعضاء الادارات التنفيذية الدنيا للمشروع السني، بأجهزتها وأقسامها. ويأتي الجناح العسكري في مقدمة الإدارات التنفيذية. ويمثلها من الأعضاء اليد الباطشة، والقدم الرافسة. ومعه الجناح السياسي الذي يمثله من الأعضاء اللسان والشفتان الناطقة، محكومة بالعقل منضبطة به.

وهنا تمت مرحلة التمكين، وتكونت الكتلة الغالبة.

 

nq1

 

بهذا يتبين أن الجهد العسكري والسياسي ليس أول الجهود ، بل يكاد يكون آخرها: توقيتاً ورتبة. وهذا يلتقي مع النظرية السياسية في (مشروعنا) القائمة على قاعدة (من يمارس القوة لا يملكها، ومن يملك القوة لا يمارسها). فالتقت السنة الكونية بالسنة الشرعية؛ إذ لم يمارس النبي (صلى الله عليه وسلم) العسكرية والسياسة إلا في الثلث الأخير من حياة النبوة، وذلك بعد أن أتم بناء الجسم المدني. بينما الذي عليه الفكر والعمل جعل هذين الجناحين في أعلاها.

 

nq11

 

في إحدى الورش كنت أتكلم عن المشروع ومراحله. ضحك أحد الشباب عندما وصلت إلى نهاية مرحلة التكوين وبداية (التمكين) وقال: "إي! وهنا يأتي العسكري، و(القائد العام للقوات المسلحة) ليستحوذ على كل شيء"! ابتسمت وقلت: اطمئن؛ وضعنا لهذه المفارقة الكارثية حسابها في مشروعنا. وشرحت له نظريتنا

nq12

 

السياسية، القائمة على قاعدة (من يمارس القوة لا يملكها، ومن يملك القوة لا يمارسها). وعقبت: لم تأت هذه القواعد المتقدمة عفواً، أو نتيجة تفكير عابر، إنما هذا نتاج سنين من المعاناة والنظر والتفكير في الواقع.

 

5. الزيادات

الزيادات قسمان:

1. قسم: هو نافع يكمل الجسم ويجمله كالشعر وزيادة الظفر.

2. قسم: هو ضار يجب التخلص منه. وهذا قسمان أيضاً:

nq13nq14أ. قسم: هو ناتج لازم لأنشطة الجسم وعملياته الأيضية، كالعرق والزفير وما شابه.

ب. وقسم: هو: إما توالف طبيعية يجب التخلص منها، مثل قلامة الظفر والشعر المتساقط ، والخلايا الميتة التي تعوض يومياً بخلايا حية. وإما حالات مرَضية، مثل الأورام الحميدة والخبيثة، والزائدة الدودية الملتهبة، والطحال إذا تحول إلى مدمر لخلايا الدم الحمر في بعض حالات الدم المرضية.

تمثل الزيادات النافعة في (المشروع السني) وجود أشخاص ولجان أو ما شابه تقدم خدمات تكميلية، كالاحتفال والدعاية والكلمة الطيبة في صالحه، وأنشطة أُخرى مشابهة.

أما الزيادات الضارة فتتمثل في الجانبين: المعنوي والمادي. أما الجانب المعنوي فيتمثل في الأفكار القديمة العاطلة (التي لا نفع فيها) والباطلة (التي تضر ولا تنفع) التي يسميها البعض ثوابت (مثل الوطن، الشيعة العرب، قصر مفهوم الفقيه على فقيه الفروع، البدء بالعسكري والسياسي). ويتمثل الجانب المادي في الأشخاص العاطلين عن أي نشاط نافع، والباطلين الذين يثيرون المشاكل داخل الصف: فردياً، أو جماعياً عن طريق التكتلات المضادة للخط العام لمسار المشروع.

 

المعارضة الإيجابية ليست من الزيادات

أما المعارضة الإيجابية فلا يتطور مشروع دون وجودها. هي كالعضو الذي يطلق الألم علامة تنبيه على مرض يتطلب علاجاً. الجسم الميت هو الجسم الوحيد الذي لا يتألم. والقاعدة، التي وضعناها في المشروع استخلاصاً من قصة الهدهد في نظام سليمان (عليه السلام)؛ لتشجيع هذه الحالة الصحية وتنظيمها، تنص على أن (الخروج على النظام خدمةً للنظام.. نظام).

 

لا ينبغي لأحد أن يبغي على أحد بسبب اختلاف المراتب

لا يصح شرعاً ولا عقلاً ولا أدباً أن يبغي صنف بسبب علو رتبته على صنف أدنى منه رتبة. هل ينكر أحد حاجة الجسم إلى الظفر وأهميته ضمن تكوينه؟ وهل يثبت عاقل قيمة دماغ أو قلب مفصول عنه؟

يقول الكاتب المختص في علم (الإدارة) روبين سبكيولاند: أعلن الرئيس الأمريكي جون كنيدي عام 1960 أن على الأمة أن تلزم نفسها بتحقيق هدف قبل انتهاء هذا العقد هو إنزال رجل على القمر وإعادته سالماً. واستجاب الجميع لهذا النداء.

nq15أراد أحد الصحفيين أن يعرف مدى تأثير رؤية الرئيس على العاملين في وكالة (ناسا)، فقام بزيارة مقر الوكالة، فلاحظ المهندسين والعلماء يعملون بسرعة محمومة، ولكن أكثر شيء أثار دهشة الصحفي هو عامل النظافة الذي كان يمسح الأرض. توقف الصحفي وسأل عامل النظافة: ماذا تفعل هنا؟ عندها رفع عامل النظافة هامته ونظر إلى عين الصحفي مباشرة، وقال: (أنا أساعد في إرسال أول رجل فضاء إلى القمر)([2]).

كن ظفراً في مشروع. ولا تكن دماغاً أو قلباً مفصولاً خارجه.

 

مصدر الخلل

يشيع الخلل إلى المجتمع من مصادر ثلاثة:

1. حين يغيب العقل أي الرأس المدني المفكر المسيطر بأجهزته المدنية على الجمهور فيهمل المشروع المدني، قفزاً إلى العسكري أو السياسي. كانت المقاومة، في حقيقتها، أشباحاً، لا يظهر منها سوى يد تكبس أو قدم ترفس وسط الظلام ثم تختفي بسرعة. لهذا ارتبط وجودها - كنتيجة تلقائية غير مقصودة - بالمحتل؛ اختفت باختفائه ورحلت برحيله. والمفترض – كنتيجة طبيعية مقصودة - أن تظهر لا أن تختفي بزواله!

لقد كانت في واقع الأمر مجرد شبح بيد وقدم، لا جسم له!

2. أو يوجد الرأس المدني، لكن يكتفي بالعلم والثقافة ونشرهما دون الانتقال إلى مشروع بجسم مدني وجناحين: عسكري وسياسي.

3. أن تغيب الربانية، فتنشأ دولة مدنية خارجة على شريعة الإسلام.

 

الصبر

جمع الله تعالى ما يريده من المسلم بشيئين: التقوى والصبر، وذلك في عدة مواضع من كتابه الكريم، منها: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:90).

المشروع برمته يمثل جانب التقوى. فلم يبق إلا الصبر لجني ثمار المشروع.

والصبر مبناه على اليقين بصواب العمل؛ قال سبحانه: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:3). فأمر المؤمنين – بعد اليقين بكونهم على الحق - بالصبر على دفع المستحق. ومثله قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ * قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) (الأنعام:58،57). فجعل (البينة) - وهي أحد تعبيرات (الحق) - هي الأصل، فإذا كنت على بينة من أن مشروعك صائب، فما عليك إلا التذرع بالصبر، وأنت ماضٍ في العمل بمشروعك قدماً لا تستعجل قطاف الثمر، وإلا كانت النتيجة – كما قيل – (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه).

كثيراً ما يسألني الناس: كم معك من الأتباع؟ وماذا أنجزتم على الأرض؟ فأقول لمن يسألني: لن أجيبك عن هذا؛ لأنه ليس هو الجانب المهم في الموضوع. إنما المهم هو السؤال عن: كون المشروع يمتلك شروط الحق والصواب أم لا؟ فإذا كان باطلاً فدعه ولو كان أتباعه بالملايين. وإن كان حقاً فما الواجب تجاهه حتى لو كنت وحدك في الميادين؟ فيسكت البعض، ويجيب البعض: إذا كان المشروع حقاً فالواجب حمله وتبنيه. فأقول له: افترض أنه ليس في المشروع غيري وغيرك واعمل بما هو واجب عليك.

وليس من شرط أحقية الشيء أن يخلو من كل خطأ، إنما الشرط هو صواب مساره العام، والمجال مفتوح للتصويب.

ثم لا بد حتماً من أن يبدأ المشروع بواحد ثم ثانٍ وثالث... وهكذا حتى يتم الله أمره. لكن للسابقين منزلتهم، أولئك الذين ما تبنوا المشروع وحملوا القضية إلا لذاتها؛ لقد كانت بذرة في ضمير الغيب قبل أن تكون شجرة في عالم الشهادة. وهذه هي ميزة المؤمنين المتقين: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة:3). وهنا أتذكر ما رواه مسلم وغيره عن عمرو بن عبسة (رضي الله عنه) قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان. فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مستخفياً جرءاء عليه قومه. فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: (أنا نبي)، فقلت: وما نبي؟ قال: (أرسلني الله)، فقلت: وبأي شيء أرسلك،؟ قال: (أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء). قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: (حر وعبد). قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. فقلت: إني متبعك، قال: (إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني)([3]).

 

( وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ) .. مكة والمدينة مثالاً

nq16انظر إلى أرض مكة: هل كان يخطر ببال أحد أن تكون منطلقاً لمشروع عالمي؟ وانظر إلى ميدان معركة (أُحد) واسال السؤال نفسه!

وها هو ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) مقروناً بذكر الله جل في علاه يلف الأرض ويطوف السماء في كل لحظة! ولكن اسأل عن مبتدإه قبل منتهاه!

متى قال الله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح:4)؟ وقال: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (الكوثر:3)؟ ومتى تحقق ذلك فنزل قوله تعالى: (ِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) (النصر:2،1)؟ ومتى استعمل النبي (صلى الله عليه وسلم) القوة والسياسة لتحقيق النصر؟

وفاز الحر والعبد، ولكن فوزاً دونه فوز من تأخر فصعب عليه أن يتدارك ما فات.. وانتصروا ولكن نصراً دونه نصر الآخرين! (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (الحديد:10).

كان الحرُّ أفضل الأمة طراً!

وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) في العبد: (حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَل عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلامِ، فَإِنِّي سمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بيْنَ يَديَّ في الجَنَّة)([4])! وكان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول في الحر والعبد: (أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا)([5]).

 

الواقع

01f12cd43a591d1301236064cea2744d3067c881a2dd0a7c7ca8a9bd2bb22b58الناظر إلى الواقع اليوم يجد الشعب السني عبارة عن أعضاء مقطعة. يراد لصقها أو دمجها بأي وسيلة. السياسي يلصق ولكن بغراء، والعسكري يدمج ولكن بهراوة. وإنما نحن في حاجة إلى طبيب يستعمل الدواء الناجع، ويربط الأجزاء بدقة ورويئة.

نعم نحن مشروع عالمي أممي. لكن عالميتنا مرتبطة بنجاح محليتنا. ونجاح محليتنا مرتبط بشيئن: صواب المشروع، والصبر على تحمل الأعباء. هكذا فعل النبي (صلى الله عليه وسلم). وهكذا أمر سبحانه (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) (الروم:60). وهكذا نرجو أن نكون؛ ما دمنا موقنين بصواب ما نحن عليه، وأننا على (حق) وعلى (بينة).

لقد التقت سنة الله الكونية وسنة الله الشرعية في (مشروعنا). وحين تلتقي السنتان في أمر فاعلم أنه صواب.

 


[1]- صحيح البخاري، 1/20، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى، 1422هـ.

[2]- http://www.nlpnote.com/forum/246977-post1.html

[3]- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (ت 261هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

[4]- رواه البخاري، 2/53، عن أبي هريرة. مصدر سابق.

[5]- رواه البخاري، 5/27، عن جابر بن عبد الله. مصدر سابق.

primi sui motori con e-max.it