المشروع المدني

 

 

تعريف المشروع المدني

المشروع المدني باختصار: هو منظومة أنشطة فكرية وعملية منتجة، تتعلق بإنقاذ المجتمع وبنائه وتطويره. قبل التوجه لإنشاء الجناح العسكري والسياسي.

 

يمكن حصر الأنشطة الفكرية بما يلي:

  1. الغاية الجاذبة
  2. العقيدة المؤسسة
  3. الحاجة الدافعة
  4. الهوية المُعَـرّفة
  5. القضية المحدَّدة
  6. الهدف المعيَّن
  7. الخُـطة المرسومة
  8. البرامج المعمولة
  9. الموارد البشرية والمادية المقدَّرة
  10. الزمن المحسوب للتنفيذ

 

أما الأنشطة العملية فتقوم على:

إيجاد وإعداد الموارد البشرية والمادية، مع التنمية والتطوير المستمر لهما في سبيل تنفيذ الخطة وتحقيق الهدف ضمن الزمن المحسوب. وهذا في حاجة إلى:

  1. قيادة راعية
  2. إدارة منفذة
  3. مؤسسة حاضنة
  4. جمهور مستهدَف

لا بد لهذه الأنشطة - بنوعيها: الفكري والعملي - أن تكون متكاملة تسد جميع الفراغات المهمة في الجهد المبذول. متخادمة يشد بعضها بعضاً ويقويه ويضاعف من نتائجه. تتم في نسق واحد فهي ليست أفعالاً معزولة عن بعضها، ولا متنافرة يضادد بعضها بعضاً. تقوم على تنفيذها مؤسسة ناظمة تتوزع الأدوار فيما بين أفرادها ودوائرها، كي تؤدي إلى الهدف المنشود. ولهذا وصفنا الأنشطة بنوعيها بأنها (منظومة).

وأما وصف الأنشطة بأنها (منتجة) فمعناه قدرة هذه الأنشطة على تحقيق الهدف. وهو إنقاذ المجتمع من حالة جمعية خطيرة واقعة به أو مهددة له، والانصراف إلى إنشاء ما يحتاجه من مؤسسات تحقق مصالحه في شتى المجالات العلمية والعملية، وتحفظها وتنميها وتطورها نحو الأحسن على الدوام.

قد يسأل سائل: وما الغاية الجاذبة في المشروع السني؟ والجواب: طبقاً لربانية المشروع تكون الغاية العليا منه إرضاء الله جل في علاه. وهذا يتمثل تحديداً بالسعي لإنقاذ النفس من النار، وبلوغ الجنة طامعين بالدرجات العلى منها. وهو أعظم ما يستهوي النفوس العظيمة، ويجتذب القلوب السليمة.

 

المشروع المدني في عصر النبوة

مشروعنا رباني: ينطلق من الوحي ويعود إليه. فنحتاج إلى أن نتوقف قليلاً لنتعرف على ملامح المشروع المدني في الإسلام أول ظهوره، كي يكون مشروعنا مبنياً على أساس مكين، لا بصفته الواقعية فقط، وإنما الشرعية أيضاً.

مرّ المشروع المدني في تاريخ الإسلام بثلاث مراحل هي:

 

المرحلة الأولى .. الفكرة وإعداد القادة :

بدأت المرحلة الأولى بكلمة.. هي (اقرأ) التي تضمنها قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1). فكانت (الفكرة) وبناء المفاهيم. والفكرة هي بداية الطريق في مشروع الإسلام العظيم. وتشتمل على:

 

1. عقيدة (لا إله إلا الله .. محمد رسول الله)، وهي الأساس.

2. الغاية العليا، وهي رضى الله جل في علاه، وتحرير الإنسان من ألوهية هواه وعبودية سواه.

3. الهدف، وهو تكوين دولة إسلامية الهوية، عالمية الامتداد، وإن كانت في بدئها محلية الانطلاق؛ فهذا هو التسلسل الطبيعي للأشياء: العالمية للفكرة، والمحلية للتطبيق ضمن القدرة. تتحقق في هذه الدولة العبودية لله وحده، بتطبيق شريعته والخضوع لأوامره على أساس العقيدة بركنيها؛ لإيجاد البيئة التي يتحقق فيها التحرر، ويحافظ فيها على الحرية.

4. الهوية، وهي الإسلام. فكان الإسلام ديناً، وفي الوقت نفسه كان هويةً. وذلك قبل نشوء الفرق البدعية، التي احتاجت إلى هوية أُخرى تميز أهل الإسلام الأنقياء، وهي (السنة والجماعة).

5. القضية: ففي الطريق نحو الهدف - وهو إقامة المجتمع المسلم، وحمل الرسالة إلى العالم - قامت المعوقات ووجدت التحديات متمثلة بأهل الباطل الذين استثارهم الحق فكانوا لحملته أعداءً. ونشب الصراع فنشأت القضية استجابةً لتحدٍّ مفروض في واقع مشهود. فكانت عملاً دؤوباً لأزاحة المعوقات ومواجهة التحديات تحقيقاً للمصالح العليا للمجتمع المسلم، وتمكيناً له من أداء رسالته إلى الناس أجمعين.

ويدخل مع التبشير بالفكرة في هذه المرحلة، ومن دون فصل، انتخاب أو إيجاد القادة وإعدادهم بتوعيتهم بالفكرة، وتربيتهم بالإيمان، وتهيئتهم بالجهاد.

 

المرحلة الثانية .. العمل المجتمعي :

لا يمكن أن يتقدم المشروع بعد ذلك دون جمهور واعٍ يلتحم بالقيادة، فكان الانطلاق من المجتمع ومعايشة الجمهور بآماله وآلامه وملامسة حاجاته المعنوية والمادية. وبهذا انتقل المشروع من الفكرة إلى العمل المجتمعي، فحصل التلاحم المنشود بين الجهات الثلاث فكانت كالجسد الواحد:

1. الفكرة: أساساً وغاية وهدفاً وهوية وقضية.

2. القيادة: بكافة مستوياتها، وعلى اختلاف أدوارها والمسؤوليات المنوطة بكل مستوى قيادي.

3. الجمهور المسلم.

كل ذلك حسب خطة متمرحلة طبقاً للظرف، وتناغماً مع السياق العام.

 

المرحلة الثالثة .. الكيان السياسي :

تكلل ذلك الجهد الجبار بوجود كيان سياسي مستقل (المدينة): يعبر عنه عمل سياسي، ويحميه جهد عسكري وجيش عقائدي. فكان النصر أخيراً.. وكانت دولة الإسلام. فتحقق الهدف العظيم صعداً نحو الغاية الربانية المنشودة.

وهكذا نرى أن الجهد العسكري يأتي في آخر السلسلة، وكذلك الجهد السياسي. كما نرى أن أياً من هذين الجهدين - أو كليهما - عاجز عن بلوغ الهدف وتحقيق ذلك الإنجاز ما لم ينطلق من أساس. فجاء المشروع المدني جواباً على هذا الإشكال، وخروجاً من هذا المأزق. وجسماً حياً نابضاً ينطلق منه الجناحان الضاربان: السياسي والعسكري.

 

المهام الأساسية للمشروع المدني

في المشروع المدني:

1. تولد الفكرة بالتأمل والتدبر، وتنمو بالرعاية والتعاطي، وتنضج بالتهذيب والتجريب.. ثم تترك مفتوحة النهايات.

2. يومض الإلهام، وينبثق التجديد، ويلتمع الإبداع.

3. تنمى القدرات وترعى الخبرات حسب الاختصاص؛ (فكل ميسر لما خلق له).

4. تمارس الشورى، وتوضع لها الآليات المناسبة.

5. يمارس التقنين والتخطيط، وترسم السياسات.

6. توزع المهام على القيادات والإدارات ضمن الهيكلية التراتبية، وحسب النظام الداخلي الموضوع.

7. تهيأ الموارد وتنمى وتستثمر.

8. تحدد المراحل وتعطى كل مرحلة ما يناسبها من الأنشطة.

9. يتم الإشراف على التنفيذ.

10. يقوم رأس المؤسسة أو من ينيبه بتمثيل المؤسسة في المحافل والدوائر الرسمية داخلياً وخارجياً.

باستحضار ما سبق بيانه لا يبقى سوى:

1. تفعيل هذه العناصر على الواقع.

2. إعداد القيادة السياسية، انطلاقاً من الجمهور واعتماداً عليه، للتعبير عن المشروع.

3. تكوين القوة العسكرية المانعة، قبل المباشرة بالتعبير من خلال القيادة السياسية الفاعلة؛ فسياسة بلا قوة مقامرة بأوراق مكشوفة.

 

آلية منع الفساد السياسي والطغيان العسكري والتعصب الحزبي

من أجل أن نمنع الثالوث الخطير:

1. الفساد السياسي

2. الطغيان العسكري

3. التعصب الحزبي

من اجتياح المؤسسة: دولة فما دونها، نحتاج إلى ثلاثة أمور أساسية: الأول: أصل مستقل بذاته مطلق عن قيد التمكين. واثنان منها مقيدان بالتمكين: قبلاً وبَعداً. وهي:

1. أن تكون القيادة المدنية هي القيادة العليا للمشروع برمته، يستوي في ذلك الحال قبل التمكين وبعده.

2. قبل التمكين:

منع ممارسة العمل السياسي قبل استكمال بناء الجسم المدني وتكوين الجناح العسكري. إنما هو عمل مجتمعي شمولي يعنى بحاجات الجمهور على تنوعها: فكرية كانت أم تربوية أم خدمية.

3. عند التمكين:

منع تجمع القوة بيد الحاكم السياسي أو القائد العسكري. ومن صورها المعروفة أن يكون الحاكم السياسي هو (القائد العام للقوات المسلحة)، أو تولي السلطة السياسية من قبل المؤسسة العسكرية. يجب الفصل التام بين السلطتين: العسكرية والسياسية. فلا يتولى العسكري منصباً سياسياً، ولا السياسي منصباً عسكرياً. بهذا نمنع فساد السياسي وطغيانه، وطغيان العسكري وفساده.

تكون القيادة العسكرية والسياسية جهات تنفيذية وشوروية، ولهما ممثلون في القيادة العليا لوضع الاستراتيجيات السياسية والعسكرية بإطارها الفني، ولغايات شوروية لبناء القرار النهائي، الذي هو قرار مدني.

بهذا يتم ضبط القوة ويمنع تحكمها بالفكرة، كما يحال بين العسكري وطغيان القوة التي منها يولد القائد الصنم، وبين السياسي والانزلاق في دهاليز السياسة، الذي يدفعه إلى التمرد والانفلات عند فقدان الرادع، في غياب القيادة العليا بمشروعها المدني الأصيل وذراعها العسكري الطويل. وعلى هذا الأساس يخرج من دائرة القيادة العليا كل من يوكل إليه ممارسة نشاط سياسي أو عسكري.

 

التوازن بين القوى الثلاث : المدنية والسياسية والعسكرية

يتكلم السياسيون عن الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويُغفلون ذكر التوازن بين القوى الثلاث: المدنية والسياسية والعسكرية، وهذا لا يقل أهمية عن الأول إن لم يكن أهم منه.

يقوم هذا التوازن على مبدأ الفصل بين امتلاك القوة وممارستها:

  1. 1. فمن يمارِس السلطة لا يملكها. كما يتاجر المرء بما لا يملكه.
  2. 2. ومن يملك السلطة لا يمارسها. كما يفوض المالك غيره بالمتاجرة بماله.

فيُمنع الجناح السياسي والعسكري (وهو من يمارس السلطة) من امتلاكها. ويُمنع الرأس المدني (وهو من يملك السلطة) من ممارستها. هذا هو الأساس، وللتحقيق تفصيله.

بهذا نبني دولة المؤسسات: دَولة ولكن بمفاهيم أمة. دَولة لا تكون السلطة فيها دُولة بين الأقوياء، كما لا يكون المال فيها دُولة بين الأغنياء.

 

أجيال الهزيمة

في غياب المشروع المدني يكون مصيرنا كمصير بني إسرائيل يوم تاهوا في الأرض أربعين سنة، ولم ينتفعوا بوجود قائد هو من أعظم القادة بين الأنبياء عليهم السلام، الذي جازاه شعبه أذى وعصياناً وعقوقاً. وقد سجل القرآن العظيم ذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) (الأحزاب:69)، وذلك في سياق تهيئة هذه الأمة لتسلم الأمانة الربانية واستلام زمام قيادة البشرية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا * إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب:70-72).

ومثل بني إسرائيل مع موسى عليه السلام كان شيعة الكوفة مع علي رضي الله عنه. وما يغني القادة (وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:101-103). وفي ذلك درس عظيم، والله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

 

جيل النصر

يوم يتم تفعيل عناصر هذا المشروع، ويتكامل الربط بين أجزائه جميعاً، يكون قد ولد فينا (جيل النصر)، الذي يستعصي على القوى الخارجية، والداخلية أيضاً، أن تمنعه من الوصول إلى هدفه، أو أن يقطف ثمار جهده بنفسه لنفسه. أو أن يضطر قادته لأن يكونوا عملاء أو أجراء عند غيرهم. وعندها لن يقاتلوا بعد اليوم بالنيابة عن الأعداء - كما هو الحال التي وجدنا عليها أمتنا منذ مئة عام - ولن يكونوا ضحية لمشاريع الآخرين. وهذا بعد عناية الله تعالى ورعايته.

هذا باختصار مقصودنا بـ(المشروع المدني) المفقود منذ اضمحلال دولة الإسلام ثم زوالها قبل حوالي مئة عام، الذي نسعى لتأسيسه وتحقيقه في واقع بلدنا محلياً، ثم في محيط أمتنا عالمياً. مستنيرين بكتاب ربنا جل جلاله وسنة نبينا e المطهرة وسيرته العطرة. عاملين بالحكمة القائلة: (فكر عالمياً.. وتصرف محلياً). مترقبين ساعة النصر، وما هي على العاملين المخلصين ببعيد.

primi sui motori con e-max.it