دونالد ترامب

نظرة استشرافية بمنظور سني

 

بين المنظور الأممي والمنظور السني

ما زالت الأمة غارقة في مجال المنظور الأممي (المسلمون أو العرب مقابل الغرب وإسرائيل) في تعاطيها مع الأحداث الجارية، والماضية أيضاً. هذا مسار مختل بسبب ضعف تطابقه مع المرحلة، وله آثاره الكارثية.

التحدي شيعي.. وهو أخطر من التحدي الغربي الإسرائيلي. المنظور المطلوب هو المنظور السني بهوية سنية. هذا المنظور – على العكس مما يتصوره الفكر التقليدي – أوسع وأكثر ناتجية من المنظور الأممي.

نحن سنة: يعني نحن مسلمون والشيعة خارج نطاق وجودنا.

نحن مسلمون: يعني - عند عامة المسلمين، وعند جميع الآخرين– أن الشيعة داخلون في نطاق الحسبة، شئت أم أبيت. أنا أتكلم بالحسابات الواقعية المنتجة لا التنظيرات الفكرية والعقائدية المجردة. نعم الشيعة كفار في حقيقة الأمر. لكنهم في واقع الأمر محسوبون علينا، وداخلون حتى ضمن المنظمات الإسلامية العالمية: السلفية وغير السلفية (الرابطة والتعاون والاتحاد العالمي وغيرها).

كون الشيعة كفاراً إذن.. هذا له مجاله عند التنظير والدعوة والتثقيف. أما في السياسة والواقع فلا مكان لهذا الحكم. وفض عقدة هذا الاشتباك بين العقائدي والسياسي ضروري لتعديل المسار، وتصويب المنظور، والخلاص من طغيان التنظير إلى بساطة التجسير مع الواقع.

المنظور السني إذن من حيث الواقع أشمل وأنفع من المنظور الأممي. علماً أن التنظير الأممي لا يتجاوز عتبة التنظير. بينما التنظير السني في (المشروع السني) يتجاوز التنظير إلى التأطير/التقعيد إلى التجسير حسب القدرة: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) (النساء:84)، سيراً على قاعدة (فكّر عالمياً لكن تصرف محلياً). فهو دين وهو سياسة معاً.

 

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

أمس جرى تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. تابعت بعض الآراء حول ترامب وانعكاس توليه السلطة على واقع منطقتنا. كانت في معظمها متخوفة منه تتمنى لو فاز أي مرشح سواه. مع استبشار بالمظاهرات الاحتجاجية التي صاحبت الحدث داخل أمريكا. وربما كانت الجملة الأكثر إثارة في خطابه، وجرى التركيز عليها، تنديده بالإرهاب الذي جاء التعبير عنه بنص "الإرهاب الإسلامي". هذا عدا موقفه من إسرائيل.

أقول، منطلقاً من النظر عبر المنظور أو السير في سياق المسار السني، بصرف النظر عن صحة التوقعات من عدمها:

1. السياسة الأمريكية تحكمها ضوابط مؤسسية واستراتيجيات بعيدة المدى، وإن كان للرئيس هامش ليس بالقليل في التصرف والتغيير، لكن ضمن تلك الضوابط الاستراتيجية.

2. لم يكن الرئيس الديمقراطي الشيعي الأصل باراك حسين أوباماً خيراً من سابقيه، بل هو لا يقل عنهم شراً، إن لم يكن الأشر من بينهم؛ فقد أكمل ما بدأه أسلافه من تمكين الشيعة وإيران من العراق وسوريا ولبنان، ولولا الجهد السعودي لتم ابتلاع اليمن أيضاً، التي ما زالت عاصمتها وشطرها الشمالي تحت سيطرة الشيعة الحوَثة. عدا الأخطار التي تسللت إلى مصر ومعظم البلاد العربية والإسلامية.

3. ولن يكون الرئيس الحالي دونالد ترامب شراً من سابقيه ولا أي رئيس آخر في موقفه من الإسلام والمسلمين.

4. لكن هناك فرصة محتملة، حين ننظر إليها بالمنظور السني، نجدها في صالحنا. تلك هي البيانات الأولى لموقفه من إيران ومليشياتها، وكذلك مواقف وتصريحات معظم فريق عمله. يسند هذه النظرة عودة الوجود الأمريكي تدريجياً للعراق. حتى توصيف الإرهاب بـ"الإسلامي" قد تكون إيران - التي يصنفها العرب والمسلمون قبل غيرهم ضمن الدائرة الإسلامية - هي المعنية فيه بالدرجة الأولى.

هذه نقطة لا يستهان بها، إن صدق ترامب في تصريحاته ضد إيران، في تغيير مسار المعركة التي تديرها إيران اليوم دون كبير مقاومة مضادة لها.. يلتقطها المنظار السني، ولا تظهر واضحة من خلال المنظار الأممي.

ثم إن كون ترامب رجل أعمال، ويعلن: إننا لن نوفر حماية لأحد دون ثمن. هذا في صالح الدول العربية القادرة على الإنفاق في استمالته وترويضه، الأمر الذي لا تطيقه إيران المنهكة اقتصادياً.

والسؤال المهم: هل بلغ صراع النفوذ بين أمريكا وإيران حد اتخاذ صانعي القرار الأمريكي قراراً بتأجيل العمل بستراتيجية (تمكين الشيعة من السنة) إلى فرصة لاحقة ريثما يتم تقليم أظلاف إيران، رغم أنهم لن يجدوا كإيران خادماً لتنفيذ المهمة القائمة على قاعدة (الدفاع عن الغرب يبدأ من الشرق)؟

لا أستبعد ذلك؛ والأيام القادمة ستجيب عنه؛ فالشخصية الفارسية تعمل على قاعدة صفرية ملخصها (الكل أو لا شيء). لكن حجم الناتج عن هذه القاعدة ومداه يظهر حسب القدرة. فالقدرة حين تكون ضعيفة تغير إيران مسارها إلى قاعدة (تمسكن حتى تتمكن). وتبقى النتائج الظاهرة خليطاً من إفرازات الجمع والافتراق بين القاعدتين.

وهذا – في رأيي - ما لم يدركه الغرب ولا العرب حتى الآن، وإن تحسسوا آثاره.

والسؤال هل تجاوزت إيران حدودها وظهرت آثار شخصيتها المراوغة حتى أزعجت مزاج صانع القرار فعزم على تأديبها إلى حين؟

يبقى ما نقوله رهن الاحتمال، خاضعاً لما سيحدث. لكن يبقى أيضاً أن النظر إلى الأحداث ضمن منظور المسار هو الصواب حتى وإن خالفه الحظ أحياناً؛ فالتوقع قد يخيب نتيجة افتقار المعادلة الناظرة إلى عناصر غابت عن مجال المنظور أثناء النظر. والشورى جاءت بنتائج عكسية يوم أحد، لكن يبقى المبدأ هو الصواب من حيث المسار، وهو الأجدى من حيث معظم النتائج الحاصلة.

المنظور الأممي أو الإسلامي للأحداث، مرت على جسده عربة الزمن، وفي حاجة إلى تجديد. المنظور السني هو البديل الصالح للحياة.

 

21/1/2017

primi sui motori con e-max.it