البطل الأسطوري

وظاهرة الإخصاء القيادي وظهور الحاكم المستبد

"رأى صلاح الدين الأيوبي في إحدى ساعات السحر خيمة من خيم المعسكر أصحابها نائمون، فقال: "من هنا جاءتنا الهزيمة". وأيقظهم لقيام الليل".هذا ما قاله hgfgخطيب الجمعة قبل يومين. كان إلى يساري رجل رأيته ختم سورة (الكهف) مع صعود الإمام المنبر. أخذ يحرك رأسه تأييداً لما قال الخطيب، وكأنه يؤنب نفسه على تقصيرها!

عند باب المسجد قلت لصاحبي:

- الهزيمة تأتي بترك المستحبات أم الواجبات؟

- بل بترك الواجبات.

- فهل كان صلاح الدين يجهل هذا؟

- بل خطيبنا، كما يبدو، هو الذي يجهل.

إن الثقافة السائدة تعرض لنا الأبطال بثياب الأساطير، وكأننا نرى الممثل الأمريكي (سيلفستر ستالون) في سلسلة أفلام (رامبو) التي لا وجود لوقائعها الخيالية إلا على شاشة السينما أو التلفزيون. الحقيقة أن (رامبو) الأمريكي الذي في الميدان رأسه مدمى بكُدوم الخسارات. هذا هو واقع أي جهة منتصرة: فرداً أو جماعة، قد تقل الخسارات مع هذه الجهة أو تزيد مع تلك. لكن الثقافة العربية تأبى إلا أن تطرح أبطالنا في ثياب الأساطير.

منهج الإسلام في عرض سيرة الأبطال

إن خيرة الخلق هم الأنبياء عليهم السلام، ومع ذلك طرح القرآن صورة النبي في حالتيه: القوة والضعف. وخيرة الصحابة هم أهل بدر. لكن سورة (الأنفال) التي قصت علينا معركة (بدر) افتتحت آياتها بالحديث عن اختلاف أبطال بدر حول الغنائم: (الأنفال:1-4)، وعن تردد بعضهم عن خوض غمار المعركة: (الأنفال:5-8)!

أحد أبطال (بدر) حاطب بن أبي بلتعة، كان يشتط في معاملة عبيده حتى شكوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو الذي أرسل إلى قريش ينذرهم غزو النبي صلى الله عليه وسلم لهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: (إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) رواه البخاري. وممن شهد بدراً مسطح، وكان ممن خاضوا في (الإفك). تقول عائشة رضي الله عنها: (فأقبلت أنا وأم مسطح، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح. فقلت: "بئس ما قلت، تسبين رجلا شهد بدراً) رواه البخاري. وكان علي وعمه عباس رضي الله عنهما يتنازعان في شأن أرض لهما حتى يستبا. متفق عليه. لكن يظل هؤلاء هم خيرة الرجال، ولا ينقص من أقدارهم مثل هذا؛ فإنه من طينة البشر.

الثقافة المنبرية تريد منا أن نكون في واقعنا خيراً من هؤلاء العظماء!

جناية الثقافة السائدة على البطل الراهن

يصر الواعظ والخطيب والمدرس والمربي على عرض صورة زاهية للبطل أو القدوة تصل به إلى حد التقديس أو العصمة الشاملة. بل سمعت من يقول: نريد جيلاً في الإيمان كالصدّيق، وفي العدل كالفاروق، وفي الأمانة كأبي عبيدة، وفي الشجاعة كابن الوليد... ولم يترك صفة راقية إلا ويريد من الجيل الراهن تمثلها. مع أن حيازة تلك الصفات مجتمعة على أعلى درجة يعجز عنه الواحد أو الجيل من الصحابة أنفسهم!

إن هذا له آثاره الخطيرة على الاجتماع والسياسة وما تعلق بهما، من ذلك:

1. تبخيس الذات: غرس اليأس في نفس المتلقي من أن يكون له موقع قيادي في المجتمع؛ فينكفئ على ذاته، ولا يجد دافعاً كافياً لتنمية مواهبه؛ لأنه ينظر إلى نفسه فيجدها عاجزة عن بلوغ ذلك المستوى الذي خيلوا له أنه شرط لبلوغ ذلك الموقع. مع أن كتاب الله تعالى فتح الباب أمام جميع المسلمين كي يتنافسوا في المراتب العليا، فقال سبحانه: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162،163). وجعله النبي صلى الله عليه وسلم أحد أدعية استفتاح الصلاة. ومن دعاء عباد الرحمن: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74).

2. تبخيس القائد: زهد المرء في الشخص الذي يقوده، أو يجده يتقدم أي منظومة عمل سواء كان أو لم يكن منتسباً إليها. بل سرعان ما يتفلت عن طاعته، ويروغ عن مسار جماعته. وقد يتركه ذاماً له خاذلاً إياه. إنه يبحث عن القائد الأسطوري فيصاب بالإحباط بعد مدة ليست طويلة يجربه فيها فيجد له عثرات وخطيئات وخصومات؛ فيزهد فيه ويتركه. وقد يتمرد عليه. وهكذا تعيش أجيال الأمة في دوامة من الفشل الذي يلاحق أي عمل قيادي.

هل تعلم أن هذا سر زهد المشركين في النبي الراهن الذي يعايشونه، مع تعظيم النبي السابق الذي لم يروه. كشأن قريش آمنوا بإبراهيم وإسماعيل، وأهل الكتاب آمنوا بموسى وعيسى، عليهم السلام، لكنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع أنه أعظم من أولئك. يبحثون عن نبي أسطوري (ليس من جنس البشر العاديين)، والله تعالى يؤكد على أن النبي بشر مثلهم ومن جنسهم. ويحكي لهم من قصص الأنبياء ما يؤكد بشريته، ومنه أنه يخطئ ويذنب ويخاف ويفر ويتردد. وقد شارك الأشاعرة في ترسيخ النظرة العصموية للأنبياء في الثقافة السائدة. وكتب الرازي كتاب (عصمة الأنبياء) أوّل فيه جميع الأخطاء التي ذكرها القرآن عن الأنبياء.

3. استبداد القائد: يجد القائد في نهاية المطاف نفسه في حيرة من أمره؛ إذ يبقى يعاني من تفلت الناس؛ فإما أن يتساهل معهم فلا يطعيوه، وإما استعمل معهم القوة فأجبرهم على طاعته. من هذه النقطة يولد القائد المستبد، وقد ينزلق أكثر فيتحول إلى القائد الطاغية. وهذا أحد أسرار وجود الطغاة في الشرق. إنها النظرة العصموية الأسطورية لدى شعوب المنطقة تجاه القائد. ويشارك الوعظ الديني مشاركة فاعلة من حيث لا يدري في تنمية وإدامة هذه الظاهرة الخطيرة.

 

**

وواصلت الحديث مع صاحبي قائلاً: هل تعلم أن القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي كان يشرب الخمر ويمارس أنواع اللهو إلى ما بعد سيطرته على زمام الحكم في مصر والقضاء على دولة الفاطميين؟ وكان يلعب مع الأمير نور الدين زنكي الكرة؟([1]). يقول المؤرخ ابن شداد (539 – 632هـ)، وهو معاصر لصلاح الدين، عن عمه شيركو: وفوض الأمر بعده إلى السلطان واستقرت القواعد واستتبت الأحوال على أحسن نظام وبذل المال وملك الرجال وهانت عنده الدنيا فملكها وشكر نعمة الله عليه، فتاب من الخمر وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بلباس الجد والاجتهاد وما عاد عنه ولا ازداد إلا جداً إلى أن توفاه الله إلى رحمته([2]). وإذا علمنا أن عمه أسد الدين شيركو توفي عام 564هـ، علمنا أن عمر صلاح الدين (532 هـ – 589 ه) يوم تاب 32 سنة. وركاب المنابر يقولون: لم يضحك قط حتى فتح بيت المقدس؟

وضحكنا، لكن ضحكاً لم يخل من غصة.

12/2/2017

 


[1]- سير أعلام النبلاء، 21/282، شمس الدين الذهبي، تحقيق مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة ، 1405هـ/1985م.

[2]- النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (سيرة صلاح الدين الأيوبي)، ص81، يوسف بن رافع ابن شداد، تحقيق الدكتور جمال الدين الشيال، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الثانية، 1415هـ - 1994م.

primi sui motori con e-max.it