التجديد والإبداع

 

مقدمة

 

إن أحد جوانب الخلل في المنهج الذي أضر بقضيتنا نحن سنة العراق - لا سيما العرب منهم - هو الفكر القديم الذي يكرر نفسه دون قدرة على مواكبة التغيرات الحادثة على طول الطريق في مسيرة الحياة بكل مفاصلها، ما جعلنا مشلولين عاجزين عن الحركة السديدة التي تخدم وجودنا، وتستخلص حقوقنا، وتحفظ كياننا من الذوبان أمام خصوم يريدون ابتلاع كل شيء على حساب وجودنا وحقوقنا وكياننا.

ثمة أجزاء تالفة في حاجة ماسّة إلى اجتثاث، إلى جانبها أجزاء جيدة تتطلب إدامة قبل أن يتسلل إليها التلف بالحث والتسرب والعدوى، وإلى جانب هذا وذاك لا بد من الإضافة وإعادة الخلط والتركيب.

والمجدد هدامٌ بناء: يهدم، لا لأجل الهدم؛ فذلك هو التخريب والفساد، وإنما لأجل البناء القائم بلبناته الصالحة، السالم من العناصر الفاسدة.  

لا بد إذن من أن نمسك بفأس أبينا إبراهيم عليه السلام، ونرفعها لنهوي بها على أصنام ذلك الفكر العقيم، كي نقيم محلها بناء قويماً من الفكر السليم، القادر على الرؤية التي تفرز الصالح لتبقيه من الفاسد لتعزله وتحرقه. وتضيف إلى ما تبقى ما تحتاجه عملية التغيير والتطوير من أفكار إبداعية خلاقة.

إن هذا لا يكون دون وجود القائد الذي يرصد حركة الحياة ويتعامل معها بطريقة استثنائية. وذلكهو المجدد المبدع. ولا مجدد حقيقي دون قابلية على الإبداع، والإتيان بالجديد الذي يطور الفكر ويقفز به، ويحسن العمل، ويجود الأدوات، ويضاعف الطاقة، ويقلل الجهد، ويصل إلى الهدف من أقرب طريق، مع مراعاة الذوق والجمال، ليبقى التكامل بين الوظيفة والجمالية محفوظاً قابلاً للمزيد.

ولا أقصد بالقائد، الواحد الفرد؛ فذلك هو الصنم، وإن كان في نهاية المطاف سيكون على رأس القائمة واحد هو القائد الأعلى، وإنما أقصد به مجموعة القادة الذين تتشكل منهم مؤسسة التغيير. علماً أنه لا ثمرة ترتجى من وراء العمل التجديدي المبدع ما لم ترتبط الجهود وتتناسق في منظومة أو مؤسسة منظمة تحرك أجزاء العمل كلها بتناغم موحد يذوب الجزء فيه بالكل، ويأخذ الكل بحركة الجزء ويفعِّلها ويتفاعل معها ويضاعف من فعاليتها نحو نهايتها المحددة سلفاً، المتوحدة بنهايات أجزاء المنظومة جميعاً.

التجديد القائم على الإبداع هو الإطار الذي يتحرك في فضائه (منهجنا)، والمسار (أو البرنامج) الذي يسلكه للوصول إلى الهدف المنشود. بل هو الروح التي بدونها سيموت كل شيء، وتمسي المؤسسة مجرد هياكل وإدارات وموظفين ينتظرون مصيرهم كأي شيء زائد في الحياة.

ما هو التجديد؟ وما هو الإبداع؟ وكيف يختلط أثرهما في النسغ الصاعد في جذع القضية؛ وصولاً إلى تخليق أطيب الثمار وأحلها وأحلاها، منطلقين من الشرع وإليه ونحن نرود مسافات.. ونتوغل في مساحات.. ونتغلغل في زوايا قد لا تكون مكتشفة حتى الآن، ولا ينبغي أن تظل مطمورة تحت أتربة المنهجية القديمة والأفكار السقيمة: هو موضوع هذه الورقات،وضعتهفيمقدمةمنهاجنا؛تأكيداًعلىأنهمن دون إبداع وقدرة على التجدد وتقمصروحالتجديد واستمراريته لا يمكن أن نحدث الأثر المطلوب، ونحقق الهدف المنشود. أرجو أن أسد به ثغرة، وأضع لبنة في بناء القضية العظيم.

 

 

سبب اهتمامنا بموضوع التجديد ؟

 

الأسباب والدوافع التي حدت بنا إلى الاهتمام بموضوع (التجديد) متعددة ومتنوعة، وسيجدها القارئ في ثنايا الكتاب. ولكن أود التنويه من بينها بأمرين اثنين على درجة بالغة الأهمية والخطورة، دفعاني لإدخاله في موضوعات المنهج، وهما:

1. رأيت جماعات ومؤسسات كبيرة كان لها وجود حيوي وتأثير إيجابي لا ينكر، ثم أصيبت بالجمود وضعفت قابليتها على التجدد فترهلت وتضخمت ثم خمدت وهمدت، وأمست عقبات وأحجار يعثر بها السائرون على الطريق. وهذا أمر مقلق لكل صاحب قضية يؤسس لمنظومة تحملها ويخشى أن يصيبها ما أصاب مثيلاتها من قبل. فلم أرَ كالتجديد - إذا فهم على وجهه، ثم حوِّل إلى قصده - شيئاً يمكن أن يزود المؤسسة بالقدرة الذاتية على الاستمرار بالعطاء المتجدد فكراً وعملاً، ويمنحها القابلية المتطورة على التعامل مع المتغيرات الحادثة على طول الخط، والحيلولة بينها وبين تحولها - عاجلاً أم آجلاً – إلى مجرد إدارة تؤدي أعمالاً وظيفية نمطية مكررة. أي تتحول إلى هيكل قائم لا روح فيه، كما هو شأن تلك المؤسسات الخاملة المترهلة. والله تعالى أمرنا أن نأخذ العبرة ممن سبقنا حتى لا يصيبنا ما أصابهم فقال جلّ وعلا: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16)، ثم قال بعدها، نافخاً الروح في النفوس، ونافحاً الأمل في القلوب، وباعثاً الهمم في الرمم: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد:17).

2. منع بروز ظاهرة (الصنمية) في المؤسسة، بدءاً بالصنم الكبير ونزولاً إلى أصغر عضو فيها. وهي ظاهرة متفشية في كل المؤسسات الجامدة. بل هي سبب جوهري من أسباب جمودها وفسادها. وذلك بمعالجة العلل الجمعية الشائعة في مجتمعاتنا الاستبدادية الاضطهادية، والتي تؤدي في نهاية المطاف بلا خُلْف إلى وجود تلك الظاهرة التي تمثل الخطر الأكبر على كيان المؤسسة، والأهداف العظيمة التي أنشئت لأجلها، والغايات السامية التي تتطلع لبلوغها.

التجديد وفقهه، ثم تحويله إلى جزء لا يتجزأ من كيان المؤسسة: في نظامها المكتوب، وأدائها المعمول به، وفي مقدمة ذلك أمران 1. فهم الدوافع النفسية الفردية والجمعية التي تصنع الصنمية 2. ومبدأ (الشورى التشاركية): هو الذي يمنع بروز ظاهرة الصنمية بإذن الله تعالى.

primi sui motori con e-max.it