التجديد والقضية/1-3

 

بالنظر التجديدي إلى واقع العراق والدول المحيطة به، ذلك النظر العقلاني الذي يرجع إلى الشرع ملتزماً بأوامره ومراعياً حدوده، ويتأثر بالواقع ويتكيف – سعة وعمقاً ودقة - بالعلم: اكتشفنا أهم الأفكار التي تتعلق بـ(القضية) تنظيراً وتطبيقاً. وهذه خطوط عريضة سريعة ومركزة لتلك الأفكار([1])، التي بغيابها غبنا– نحن السنة في العراق – عن الوجود كحقيقة معتبرة وواقع مؤثر، فعاد كياننا هشاً هامشياً لا يملك من أمره شيئاً، يتلاعب بمصيرنا شذاذ الآفاق وأسافل الخلق.. وما عدنا نقود الحياة:

 

  • • الدين قسمان: عبادة وقضية

ودليله قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران:81) وغيره من الآيات وهو كثير. لكننا في العراق نعيش مفارقة كبيرة أدت إلى ذلك الغياب عن قيادة الحياة، هي أن (السنة عبادة بلا قضية، والشيعة قضية بلا عبادة) ([2]).

 

  • كافر ينصر (القضية) خير لنا([3]) من مسلم يعيش لنفسه

ودليله قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الأنفال:72). فقطع الله تعالى الولاية والنصرة الكاملة بين المسلمين الذين أرادوا الإسلام مجرد عبادة دون تحمل تكاليف (القضية) فلم يهاجروا، وبين المهاجرين والأنصار أصحاب (القضية). قال ابن العربي في (أحكام القرآن)، وكذا قال غيره من المفسرين كابن كثير والقرطبي والشوكاني: (يُرِيدُ إنْ دَعَوْا مِنْ أَرْضِ الْحَرْبِ عَوْنَكُمْ بِنَفِيرٍ أَوْ مَالٍ لاسْتِنْقَاذِهِمْ، فَأَعِينُوهُمْ؛ فَذَلِكَ عَلَيْكُمْ فَرْضٌ، إلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ، فَلا تُقَاتِلُوهُمْ عَلَيْهِمْ يُرِيدُ حَتَّى يَتِمَّ الْعَهْدُ أَوْ يُنْبَذَ عَلَى سَوَاءٍ).

 

  • • الواقع يسبق الوحي ، وليس العكس

الواقع يحدد (القضية)، والوحي يضع أسس الحل. وبذلك يكون الواقع سابقاً لا لاحقاً في علاقته بالوحي. وأسباب النزول تفصح بوضوح عن هذه الحقيقة. والعقل يستفيد من هذا كله في تحديد القضية، وتنزيل أسس الحل على الواقع، والتوسع في تفاصيله بالاستفادة من معطيات العلم، ووضع كل شئ في موضعه مكاناً وزماناً.

 

  • عناصر القضية

يمكننا تعريف القضية بأنها: الهدف الاجتماعي الذي يسعى المسلم إلى تحقيقه. وذلك يستلزم إزالة المعوقات من طريقه. فالقضية تقوم على ركنين اثنين هما:

أ‌.       هدف أعلى: مأمور كل مسلم بتحقيقه.

ب‌.  وواقع أدنى: يتم من خلاله تحقيق ذلك الهدف.

أما الهدف الأعلى فهو ثابت لا يتغير بالنسبة للمسلم، ألا وهو إقامة الدين وتحقيق مقتضيات ألوهية الله تعالى وحاكميته في أرضه: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (الزخرف:84). ونعبر عنه أيضاً فنقول: هو إقامة دولة الإسلام طبقاً لمراد الله وشرعه. وهذا ثابت لا يتغير. وبه تفترق الإسلامية عن العلمانية.

ذلك هو الهدف الأعلى. أما الواقع الأدنى فمتغير، وينتظم فيه عنصران اثنان هما:

  1. 1. المعوق أو المشكلة التي تعترض طريق الهدف.
  2. 2. والاستجابة المطلوبة لإزالة المعوق، أو لحل المشكلة.
  • • الأولوية للمشكلة الواقعية الكبرى

يحتاج العبد المتحرك وهو يواجه التحديات والمعوقات والمشاكل إلى أمرين اثنين:

  1. 1- أن يستوي قصده إلى التحدي أو المشكلة الكبرى في المجتمع فيجعلها المحور الذي ينتظم باقي التحديات والمشاكل الأدنى. وهذا هو التشخيص. وهو نصف العلاج. أزمة (الإسلاميين) في العراق اليوم البحث عن علاج لمرض يخطئون في تشخيصه.
  2. 2- أن يستجيب لهذا التحدي الاستجابة الصحيحة المناسبة. وهذا هو العلاج، الذي ينبغي أن يكون بديعاً متطوراً.

عندما يكون التشخيص والعلاج بهذه المواصفات، نكون قد سلكنا طريق الحل.

 


[1]- تناولت هذا الموضوع في كتاب ( لا بد من لعن الظلام ) وغيره من كتبي. وسأكتفي هنا – قدر الإمكان - بعناوين الموضوعات الموجودة هناك منعاً للتكرار، فيرجع إليها في أصلها.

[2]- قائل هذا القول الحكيم هو الشهيد إياد العزي رحمه الله تعالى.

[3]- أرجو ملاحظة قيد (لنا)، التي تعني الخيرية المقيدة، وليست المطلقة. فإن المسلم في كل الأحوال خير من الكافر.

primi sui motori con e-max.it