التجديد والقضية/3-3

  •  تغير القضية بتغير الواقع

بتغير الواقع يتغير التحدي، وتتغير – تبعاً له - الاستجابة المطلوبة. بمعنى أن التغيير أصاب عنصرين من عناصر القضية: (التحدي والاستجابة) دون الهدف. وما لم تتغير الاستجابة تبعاً لتغير التحدي، نصاب بالجمود، وننعزل عن الحياة، ويتحول الدين إلى عبادة محضة تشيع فيها البدع والمحدثات.

(القضية) إذن تتغير بتغير الواقع أو المجتمع. وهذا هو الدين الذي يتجدد.

فمن لم تكن عنده قضية فليس على الدين المتجدد القويم. إنما هو على دين جامد سقيم، في حاجة إلى تحريك وتجديد.

 

  • • دور المجددين

هنا يأتي دور المجددين. وهو دور الأنبياء عليهم السلام نفسه: فالأنبياء يعيدون الناس إلى الدين كلما ابتعدوا عنه. أي إلى:

  •     • الوحي كلما أصابه التحريف نصاً أو تأويلاً
  •     • والهدف كلما حصل عنه الانحراف غياً أو تضليلاً
  •     • والقضية كلما تركت خوفاً أو جهلاً وتجهيلاً

أي : الاتباع والاجتهاد والجهاد

 

  • مبدأ قاعدة الانطلاق ومحور الحركة

لا بد لكل (قضية) من (قاعدة) فكرية تستند إليها وتنطلق منها عند نقطة الشروع. ولا بد لها – أيضاً - من محور يدور حوله الجهد الفاعل بعد التحول من تلك النقطة إلى ميدان الحركة.

إن القاعدة التي انطلق منها النبيون جميعاً هي توحيد الله تعالى كما أخبر سبحانه فقال: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل:36).

وإذا كانت التوحيد أو العقيدة هي قاعدة الانطلاق لقضية المسلم، فإن المحور الذي تدور حوله حركته هو المشكلة الواقعية الكبرى من أجل مواجهتها أو إيجاد حل لها. وهذه تختلف من نبي إلى نبي تبعاً لاختلاف مجتمعاتهم وأنواع المشكلة التي عانى منها كل مجتمع من تلك المجتمعات. أي إن القاعدة ثابتة والمحور متغير.

 

  • اجتماع الأنبياء في قاعدة الانطلاق واختلافهم في محور الحركة

لقد اختلف الأنبياء في المحاور التي دارت حولها قضاياهم مع اتفاقهم في قاعدة الانطلاق. لقد اجتمعوا في القاعدة أو المنطلق الذي هو التوحيد أو العقيدة. وافترقوا في القضية أو المحور الذي هو المشكلة الاجتماعية التي انصرفوا علاجها.

كما أن الأنبياء عليهم السلام اجتمعوا في أهدافهم العليا، لكنهم اختلفوا في قضاياهم الكبرى كل حسب واقعه ونوع التحدي الموجود فيه: فقضية موسى عليه السلام كانت سياسية، بينما قضية شعيب عليه السلام اقتصادية، وقضية لوط عليه السلام كانت خلقية.

وكما قد يختلف نبيان في قضيتهما، كذلك قد يختلف مصلحان - كل في بيئة - في قضيتهما. وهكذا تكون الحاجة متجددة لتجديد الدعوات باستمرار.

 

  • محورية القضية لا تستلزم إهمال القضايا الجانبية

إن وضع اليد على المحور وتشخيص (القضية) يعطي لبقية المسائل أهميتها وحيويتها كلاً بحسبها، ويحركها ليجعلها تدور في فلكها الخاص بها وهي تنشدُّ إلى المحور بدل أن تظل جامدة ميتة أو مغلفة لا حراك فيها.

 

  • لا بأس بتعدد القضايا بشرط الدوران في فلك القضية المركزية

عادة ما توجد قضية محورية كبرى وإلى جانبها قضية أو قضايا جانبية أصغر منها. نعم مشكلتنا الكبرى هي التشيع الشعوبي، وهي أكبر من كل المشاكل والتحديات. هذه هي قضيتنا المركزية في العراق. لكن هذا لا يلغي الاهتمام ببقية المشاكل والتحديات. بل على العكس ينمي الاستجابة لها ويرَشِّدها.

primi sui motori con e-max.it