التجديد والقضية/2-3

 

  • • القضية عامة وخاصة

للأمة قضاياها..

ولكل بلد ينتمي إلى الأمة خصوصيته وقضيته طبقاً لتلك الخصوصية.

ومطلوب منا في أي بلد نكون أن نتفاعل مع قضايا أمتنا وإلا فقدنا هويتنا وانتماءنا وقوتنا ووحدتنا. لكن لا يصح أن نكون أمميين إلى الدرجة التي ننسى فيها قضايانا الخاصة، أو نقصر فيها، أو نتلهى عنها بحجة أننا مشغولون بقضية الأمة التي قد لا نستطيع عملياً أن نفعل لها أكثر من التفرج واجترار الأحاديث. إذن ليس كل ما هو أول مرتبياً، هو أول عملياً. وفي غياب هذه القواعد تحولت فلسطين إلى (ثقب أسود) يمتص طاقات الأمة على حساب التوزيع العادل على قضايا العرب والمسلمين أجمعين. لهذا حصل تسطيح فاضح لبقية القضايا – كقضية الأحواز مثلاً - وتهميشها وصرف الأنظار عنها، صرفاً يصل أحياناً إلى حد النسيان التام.

 

  • بطلان نظرية ( القضية المركزية )

عشنا عقوداً طويلة على مصطلح (القضية المركزية) للأمة وكون فلسطين هي تلك القضية. إن عدم واقعية هذه الفكرة - بغض النظر عن كون بعض دعاتها صادقين أو غير صادقين في ادعائها – هو الذي انتهى بها إلى هذه النهاية، فما عادت تتردد على الألسن إلا قليلاً، وإن ترسخت في العقل الجمعي العربي، وكان لذلك أثمان دفعها البعض واستفاد منها آخرون.

السبب في عدم صوابية فكرة (القضية المركزية) مضافة إلى الأمة بسيط جداً هو عدم وجود هذه الأمة المضافة إليها تلك القضية. وبعدم المضاف إليه يكون عدم المضاف ناتجاً طبيعياً، وأمراً تلقائياً. كل ما موجود من الأمة منذ سقوط الدولة العثمانية هو أقطار مفصولة عن بعضها بحدود تجعل من كل قطر أمة بحالها. ليست الأمة حاصل جمع عددي لأرقام بينها فوارز. بل متى ما أزيلت تلك الفوارز والفواصل كانت الأمة وكان لها قضية مركزية، وقضايا أُخرى دونها في المنزلة.

الصحيح، في غياب وجود الأمة: إطاراً ومضموناً، أن لكل بلد قضيته المركزية، وعلى أهله أن يقدموها على كل قضية. وفي الوقت نفسه يتفاعلون مع القضايا الخارجية على حسب طاقتهم متى ما أدوا المطلوب منهم داخلياً، ووجب عليهم نصرة تلك القضايا، وبشرط أن يكون التفاعل من الطرفين لا من طرف واحد.

 

  • • نفكر عالمياً ونتحرك محلياً

ولهذا قيل: نفكر عالمياً ونتحرك محلياً. إنها معادلة ذكية من عقل راجح. فتذكر دوماً أن نجاح عالمية فكرك في نجاح محلية حركتك. فلا نجاح عالمياً لم يسبقه نجاح محلي. وهذا مسارنا.

 

  • بلدنة القضية وعرقنتها

تتنازع بيئتنا الدينية العراقية ثقافات وافدة متعددة. وهذا شيء طبيعي، يجعل الثقافات تتلاقح فيما بينها فتقوى وتشتد وتتوسع وتتطور.. بشرط أن لا تبتلع الثقافة الوافدة الثقافة السائدة، فنقع في مطب التغريب. الذي يجعل أهل العراق يفكرون في قضايا الخارج العربي أو العالمي أكثر من قضية الداخل العراقي، فينشغلون بقضايا جانبية بالنسبة إليهم، وإن كانت مركزية بالنسبة لغيرهم، أكثر من انشغالهم بقضيتهم المركزية. ولك أن تضع بدل (العراق) أي بلد آخر أنت فيه وتطبق عليه هذا التقعيد.

حين تنتقل الطروحات الفكرية مجردة عن واقعها، عن طريق (الاستنساخ) و(النقل) الحرفي المباشر دون النظر إلى جوانب الافتراق التي يفرضها طبيعياً اختلاف البيئتين تحدث مشكلة لا تحل إلا بإدراك أهمية ما يمكن أن نطلق عليه (بلدنة الثقافة).

إن التعامل الحرفي مع الثقافات الوافدة، دون اعتبار لاختلاف الواقع هو الذي أدى بالفكر العراقي: دينياً وعلمانياً إلى أن يكون – في عمومه - فكراً ترفياً جامداً يراوح في مكانه، محنطاً لا يتفاعل مع الحياة، مشلولاً بطيء الحركة في بلاد الرافدين.

 

  • قضيتنا شرقية لا غربية

بهذا نصل إلى الحقيقة التالية التي تنتصب الآن ماثلة للعيان، وهي أن قضيتنا المركزية نحن العراقيين – ومن على شاكلتنا كأهل الأحواز والخليج العربي - شرقية أكثر منها غربية.

ومن درس التاريخ أو قرأه، وعاش الواقع عيشة معاناة ورصد وتحليل وربط بينه وبين الماضي أدرك هذه الحقيقة، وعجب كيف يغفل عنها أصحاب (القضية)!

primi sui motori con e-max.it