المنظومة القيادية وليس الافراد

جاء في أدبيات " المنهج " تحت عنوان " نظرات في القيادة" :

۞ العظيم من جمع حوله العظماء.

      ۞ القائد واحد.. لكنه في منظومة قيادة.

             ۞ القائد رائد.. لكنه في منظومة رواد.

                                                        ( د. طه الدليمي / نظرات في القيادة)

إذ أنّ القيادة تعتمد في جوهرها على العمل الجماعي المنسق والمتقن، لتحقيق الأهداف ذات القيمة والاهمية للمؤسسة والمجتمع السنّي على حدٍ سواء. وهي تهدف الى تحويل الشخصية العادية إلى شخصية استثنائية قادرة على تقديم الدعم والمساعدة لمن يطلبها، بدلاً من احتياجها هي إلى طلب ذلك من غيرها.

  على أن ثمة حقيقة ناصعة ينبغي تأكيدها في هذا المقام وهي أن "القائد الذي يحقق مصالح أتباعه ويدفع عنهم  المخاطر  بمفرده، مجرد خرافة"؛ فلا وجود للقائد الأوحد ولا القائد الأسطورة، وما من قائد حقق إنجازاً عظيماً إلا من خلال جهدٍ جماعي، وعمل منظّم، وتوزيع للمهام على عناصر المنظومة القيادية العاملة، بغض النظر عن التباين في الصفات القيادية للعاملين.

إنً الانبياء – عليهم السلام- والقادة لم يكونوا يمارسون الدور القيادي بمفردهم بل كانوا يعملون ضمن جهد جماعي مدعوم بتخطيط ودراسة لواقع المجتمع الذي يعيشون فيه، مع وضوح الرؤية والرسالة والهدف، خذ على ذلك بعض الأمثلة:

·  بناء السدّ الذي أقامه نبي الله ( ذو القرنين) عليه السلام، والذي يعتبر من أعظم إنجازات التاريخ التي ساهمت في حماية البشرية من قومٍ مفسدين في الأرض (يأجوج ومأجوج)، تطلب جهداً جماعياً منظماً توزعت فيه الأدوار والمهام بشكل متقن ومنسّق، (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) فتمت المهمة وتحقق الهدف بجهد جماعي لا فردي.

·  النبي سليمان – عليه السلام- كان يقود مملكة عظيمة، يعمل فيها الإنس والجن والطير! وسخر الله تعالى له الريح والشياطين يعملون بأمره، ومع ما كان لسليمان من قوة وملك وذكاء! قال له الهدهد (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِه)، فاحتاج هذا النبي العظيم الى جهد "هدهد" لتبليغ دعوة الله الى قوم كانوا يعبدون الشمس من دون الله.

·  حتى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) على ما حازه من صفات نادرة وشخصية قيادية متفردة، احتاج لتبليغ الرسالة الى وفرة من الرجال والقادة الأقوياء الذين وزعت عليهم الأدوار والمسؤوليات فتحقق وعد الله بالنصر والتمكين. وفي قصة الخندق أبلغ شاهد.

كثيراً ما نسمع الخطباء والوعّاظ يرددون على المنابر بعض الصيحات والعبارات ذات التأثير السلبي على جمهور أهل السنّة في العراق وغيره:

(أين أنت يا عمر؟)، (لو كان فينا خالد والقعقاع وصلاح الدين لما تجّرأت أمريكا على غزو العراق!!).. إلى غيرها من العبارات المخدرة، وهم يشيرون بلا وعي إلى أن الأزمات والمشاكل الكبيرة التي تعصف بالأمة لا يمكن حلّها إلا بوجود شخصية قيادية مثل الفاروق عمر أو خالد أو القعقاع. وهذه محض أوهام وجهالة تستدعي الانتباه إليها وتصحيح المفاهيم بشأنها؛ إذ لا وجود للقائد الاسطوري الذي لو أتى لتجاوزنا به كل المصاعب والتحديات والمشاكل، ولحللنا به كل الازمات والعُقد! فلو قدر الله تعالى وعاد الفاروق عمر للحياة لما تمكن وحده من معالجة الازمات من دون جماعة قائدة تسانده، تدرس الواقع وتحلل، وتضع الأهداف وتخطط، وتصنع البرامج والمشاريع وتنفّذ.

عمر الفاروق – رضي الله عنه- لم يعمل بمفرده بل كان ضمن منظومة قيادية عالية الكفاءة والاحترافية، يستشيرهم ويأخذ برأيهم، ويختلفون معه أحياناً، بل ويحاسبونه! وهو في الوقت نفسه لم يكن يشعر أنه خارج نطاق هذه المنظومة، لذلك كان العمل القيادي الجماعي هو الأساس في بناء دولة الاسلام العزيزة. وتأمل في تاريخ الأمة الإسلامية ستجد أن الانتصارات والانجازات الكبيرة ما تحققت إلا من خلال مجموعة قيادية بارعة وليس من خلال شخص بمفرده.

وينعكس هذا المفهوم اليوم على واقعنا المعاصر، فإذا أردنا مواجهة الازمات والتغلب على التحديات لا بد من التأسيس لمجموعة قيادية قوية عالية الكفاءة والتنسيق والتعاون، ومتعددة التخصصات والخبرات، تحمل على عاتقها مسؤولية حماية مصالح أهل السنّة ووجودهم وصياغة الحلول الصحيحة لمعالجة المشاكل والأزمات التي تهدد وجودهم ومصيرهم وتدفع عنهم شرور وخطر الشيعة في العراق وإيران وغيرهما.

لماذا نعتمد المنظومة القيادية وليس الأفراد ؟ 

إعداد المنظومات القيادية هدف نسعى لبلوغه لتحقيق الاهداف الكبرى لمشروعنا المركزي.

وثمة أسباب تدفعنا للاعتماد على المنظومة القيادية وليس الأفراد نُجملها بما يلي:

1.   طاعة الله تعالى حين قال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). الآية 104 آل عمران.

2.       في المنظومة القيادية تتنوع الشخصيات القيادية، وتتنوع التخصصات والخبرات والكفاءات.

3.       أداء المنظومة القيادية أفضل بكثير من أداء الأشخاص بمفردهم.

4.       المنظومة تعزز نقاط القوة لدى القائد وتقلل من نقاط ضعفه، حيث أن نقاط الضعف تكون واضحة في الأفراد.

5.       توفر المنظومة رؤى وأفكاراً وحلولاً وبدائل متعددة للوصول الى غايات وأهداف المؤسسة.

6.   في المنظومة تتوزع الادوار والمسؤوليات والصلاحيات، فتتوزع مسؤولية النجاح أو الفشل على الجميع وليس على شخص واحد.

7.   المنظومة توفر آلية مراقبة ومحاسبة للقائد سواء خلال أداء عمله أو حين يقصّر أو يفشل في تحقيق الاهداف، وبهذا نقضي على الصنمية التي تنشأ من غياب المراقبة والمحاسبة للقائد.

8.       بالمنظومة القيادية نوفر الجهود والاوقات والموارد ونحصل على أفضل النتائج.

والتحدي الذي يواجهك أنت ( كقائد) هو كيف تنحت لنفسك مكاناً ومكانةً داخل المنظومة أو المجموعة القيادية ؟ وما هو دورك في تحقيق أهدافها؟

الخلاصة:

1.    لا يوجد قائد مكتمل .. وإنما توجد منظومة قيادية مكتملة

2.    لا يمكن للقائد تحقيق الانجازات العظيمة بمفرده .. لكن المنظومة القيادية قادرة على فعل ذلك.

3.    مؤشر على وجود قائد عظيم .. هو وجود القادة حوله ، فالقائد ضعيف بنفسه .. قوي بإخوته (القادة).

4.    قوة المنظومات القائدة إنما تأتي من قوة العناصر القيادية التي شكّلتها.

primi sui motori con e-max.it