علوم أساسية

 

في منهاجنا التغييري

 

 

ثلاثة علوم مهمة جداً، هي (علم النفس والاجتماع والتاريخ)، تكاد تكون غائبة عن برامج الدعوات التغييرية التي أدركناها. ربما تجد لها إشارات في تلك البرامج، وقد يُدرس أحدها أو شيء منها، ولكن ليس من باب أنه جزء لا يتجزأ من المنهج التوعوي التغييري، وإنما من باب أنه علم مفيد كبقية العلوم ينتبه له حيناً ويترك أحياناً. وفيما يلي إشارات تنبه على بعض جوانب أهمية هذه العلوم. والتوسع فيها يطلب في مظانه من الكتب المختصة بهذه العلوم:

 

(1)

 

علم النفس

 

علم النفس يفيدنا في فهم النفس البشرية طباعاً وميولاً، وكيف نتعامل معها ونؤثر فيها ونتأثر بها. أي كيف نصوغ خطابنا ونوجهه لغيرنا، وكيف ينبغي أن نتلقى خطاب الغير. ولا يقل عن ذلك أهمية معرفتنا بأنفسنا وطباعنا ودوافعنا الذاتية وأمراضنا النفسية كي نتوجه بالعلاج إليها.

من خلال علم النفس نعلم أن الإنسان - بالدرجة الأولى - مخلوق نفساني لا عقلاني. فهو يريد بنفسه ثم يبرر بعقله. هذا حين ينساق بحكم طبعه.

لكن إذا وعينا ذلك، وتدخل الدين في المعادلة وكان لنا نفس قابلة، عرفنا كيف نعالج هذا الخلل.

في غياب هذا الوعي تحول تفكير أكثر الناس من رحاب عقولهم إلى دهاليز نفوسهم، فتجد الواحد منهم يفكر بنفسه لا بعقله، الذي تنحصر وظيفته – والحالة هذه – بالتبرير لا بالتفكير والتفسير الذي يقود للوصول إلى النتيجة المنشودة.

علم النفس يضعنا أمام أنفسنا وجهاً لوجه. فبه – مثلاً – ندرك مدى أثر حيلة (الإسقاط) في حياتنا! تلك الحيلة التي نحول بها نقائصنا إلى غيرنا، وقد نحاربهم ونعاديهم ونتعنت في ذلك، ولا ندري أننا نحارب ذواتنا ولكن... في ذوات غيرنا.

 

(2)

 

علم الاجتماع

 

وإذا توسعنا في ذلك ودخلنا قليلاً في علم الاجتماع، الذي يمكن لي أن أصفه بأنه علم نفس المجتمع أو سيكولوجية الجماهير، انضافت إلينا علوم وخبرات يمكننا استثمارها في مشروعنا التغييري.

يتلامس علم الاجتماع مع مشروعنا في نقاط ويخدمه من نواحي أهمها:

  • • التعرف على قوانين للاجتماع لها علاقة بأسرار تغيير المجتمع وسيرورته التاريخية؛ وصولاً لاستثمارها في التحكم بدفة التغيير
  • • صياغة خطاب جماهيري يتجاوز دائرة الخطاب الفردي، يدرك كيف يؤثر في المجتمع ككل، من خلال معرفته بالنفسية الجمعية للجمهور، والعوامل المؤثرة فيها.
  • • معرفة جذور الشخصية الصنمية المتجذرة في نفوس الزعامات الشرقية؛ من أجل تشخيصها ووضع علاج مناسب لها في مؤسستنا منعاً لوجودها في أوساطها
  • • الاستفادة من معرفة النفسية الجمعية للجمهور لإدراك أسرار الثورات الجماهيرية: ما الذي يهيجها؟ وما هي أسباب فشلها

من ذلك علمنا بأن للفرد شخصيتين: واحدة فردية وأُخرى جمعية. ولكل شخصية خصائصها والمؤثرات التي تفعل فيها. وما هي العناصر الفاعلة في تغيير المجتمع؟ وكيف تتم التحولات الكبيرة والصغيرة في أحوال المجتمعات؟ ولهذا يتنوع الخطاب: فالخطاب الموجه للجمهور له قوانينه وأساليبه، والخطاب الموجه للفرد له قوانين وأساليب أُخرى. ومن هذا المنطلق كان المرتكز الرابع من مرتكزات العملية التغييرية في منهاجنا هو التغيير الجمعي، فأساس التغيير المقصود عندنا هو تغيير المجتمع، الذي يأتي في المرتبة السابقة لمرتبة تغيير الفرد.

من خلال علم الاجتماع نعرف لمَ تثور الجماهير على الحاكم، حتى إذا أزاحته عن منصبه واستلم الثائر السلطة كان - عادة - كسابقه أو أشد ظلماً وطغياناً منه، في دوامة لا تكاد تنتهي! فكأننا - نحن شعوب الشرق – كتب علينا أن نعاني الظلم دائماً، وندفع الثمن في الحالتين: السكوت أو التمرد أبداً.

 

منبع الاستبداد

من أين يجيء الاستبداد؟

إن الشعب الذي يعاني من حاكم مستبد، يتحول تلقائياً إلى شعب مستبد بطبعه. لكنه يختزن الاستبداد في حالة الضعف، حتى إذا تمكن ظهر ما كان خافياً، وانفجر ما كان مكبوتاً.

من حالة الاستبداد التي عاناها ويعانيها الشعب إذن جاء الاستبداد! فهو يكره الاستبداد واقعاً عليه، ولكنه يمارسه واقعاً على غيره دون أن يشعر بهذا التناقض. فليس من الغرابة أن يدعي الطغاة أنهم عادلون، ويتوهمون أنهم كذلك!

 

التماهي ( أو التوحد ) بالمعتدي والتماهي الإسقاطي

كيف يحصل ذلك؟

بعمليات نفسية داخلية غير واعية، أهمها عملية (التماهي بالمضطهد أو المعتدي). وهي عملية نفسية دفاعية، معناها تمثل وتقمص عدوانية المعتدي وأخلاقه وصفاته حتى تصبح هذه الحالة جزءاً من شخصية المضطهَد أو المعتدى عليه. لا تقتصر هذه الحالة على الفرد فقط وإنما يمكن أن تصبح حالة جمعية، أو مرضاً اجتماعياً متوطناً؛ بالمعاناة والعدوى. وهكذا تكره الشعوب حكامها.. تثور عليهم.. تستلم السلطة.. تمارس الظلم على الشعب الذي أتى بهم إلى السلطة، في دورة لا تنتهي!

 

نحن نصنع الطاغية، والطاغية يصنعنا

الحقيقة أننا نخلق الصنم الذي نعبده! ثم نأكله متى ما أردنا وقدرنا على ذلك! لنصنع صنما آخر يأكلنا ونأكله!

علينا أن نعرف أمراً آخر مكملاً لما سبق. شيئاً اسمه (التماهي الإسقاطي) وهو عملية نفسية يحاول الشخص من خلالها إدخال ذاته لا شعورياً داخل شخص آخر: إما مكروه بالنسبة إليه كي يسيء إليه ويمتلكه ويسيطر عليه، أو هو أقرب شخص ضعيف منه كالزوجة والولد ومرؤوسي العمل، يحول إليهم لا شعورياً صفاته التي ينفر منها كالحقد، أو نزعاته التي يخشاها كالغدر والعدوانية؛ وبهذا يحتقره ويؤذيه، ويجد نفسه منساقاً إلى ذلك الشعور والسلوك دون أن يملك له رداً، حتى وإن كان لا يرغب في ذلك.

إنه يحارب ذاته ويكره صفاته في الآخر وهو لا يدري!

 

نمارس الطغيان ونلعنه

هذا هو السبب العميق الذي لأجله لا يأبه الطاغي لشعبه، ولا يحترم مدير الدائرة موظفيه، ولا يأخذ رئيس الحزب أو الهيئة أو التجمع برأي أتباعه ومرؤوسيه. ولهذا أيضاً تظلم المرأة حين يسلط أقرب الناس إليها: زوجاً أو أباً أو أخاً أو حتى ابناً، طغيانه، ويوجه إليها ازدراءه، ويعتبرها في لاوعيه أدنى درجة منه، حتى وإن أقر بلسانه بغير ذلك: كاذباً أو صادقاً. المسألة نفسية لا عقلية، ولا شعورية وليست واعية.

هكذا نمارس الطغيان ونلعنه. نصنع الصنم ونعبده، ثم نهدمه.

فما الحل؟

أول العلاج الإدراك.. إدراك المريض أنه مريض. هذا شيء عظيم لا يستهان به. علم النفس والاجتماع يساعدنا في إدراك أهم عللنا النفسية: الفردية والجمعية.

إذا عرفنا هذا عرفنا أننا في حاجة إلى العلاج، فسألنا عنه أهل الاختصاص واستعملناه فشفينا منه.

 

شركة صناعة الصنم

هذا وغيره من جوانب علم النفس والاجتماع هو الذي هدى المؤسسات المتطورة إلى مبدأ الشورى التشاركية، التي ينبغي أن نمارسها بكل قناعة. وبذلك نقضي على (شركة صناعة الصنم)، التي هي السبب الأساس في كل مشاكلنا ومآسينا. العلة التي تقضي على الإبداع في أي مؤسسة، وتحول أفرادها إلى مجرد نسخ عن الرئيس، والأجواء إلى مجالات مكهربة بالإرهاب الفكري، ومصطلحات التخوين والتآمر والعمالة.

هل أدركنا الآن كم هو عظيم قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11)؟!

 

لا بد من وجود عالم النفس والاجتماع في مؤسستنا

الدعوة التغييرية الحقيقية، هي الدعوة التي تستكمل جميع عناصر التغيير والنجاح داخلياً وخارجياً.

لهذا أؤكد على ضرورة أن يكون في كل مؤسسة خبير نفساني اجتماعي، لا نعقد رأياً إلا بوجوده وبعد أخذ رأيه الذي يرشدنا كيف يكون القرار مجدياً من حيث التأثير الاجتماعي، وما هي العناصر أو العنصر الذي ينبغي أن يضاف إلى المعادلة كي تصلح لتحريك المجتمع باتجاه الهدف المنشود، وتجعله متفاعلاً مع المشروع المطروح، وهل المشروع صالح لنقل الجمهور وتحريكه، أم إنه مجرد نظريات جامدة أو ضعيفة، لا يمكن التعاطي تلقائياً معها إلا في حالة واحدة هي الخوف أو الترهيب؟ وبهذا ننقلب إلى طغاة مستبدين نفرض آراءنا ومشاريعنا بالقوة العمياء.

primi sui motori con e-max.it