|
بسم الله
الرحمن الرحيم
خنجران هما الذان
ينحران الأمة،
ويجهزان على
حياتها، ويزهقان
روحها:
أولهما:
أن
تسلب منها الثقة
بما تعتقد وتدين
وتعيش من أجله،
وتقاتل من أجله،
وتموت من أجله،
فتفقد ثقتها
بنفسها قبل كل
شيء.
حينما
تفقد ثقتها بوعد
الله:[ كَتَبَ
ٱللَّهُ
لأَغْلِبَنَّ
أَنَاْ وَرُسُلِي
إِنَّ ٱللَّهَ
قَوِىٌّ عَزِيزٌ](المجادلة:21)
فإنها تطعن نفسها
بخنجر في سويداء
قلبها.
ثانيهما:
أن يقعد
أفراد الأمة عن
العمل الدؤوب
لنصر عقيدتهم
ومبادئهم التي
يؤمنون بها، سواء
كان
قعودهم ذلك نتيجة
آهات الحسرة،
وبكاء على
الماضي، ونوحاً
على الحاضر، أو
كان نتيجة
رضى الأمة
بالدون، وقبولها
بالهوان.
وَلَمَّا رَأَى
ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلاْحْزَابَ
قَالُواْ[
هَـٰذَا مَا
وَعَدَنَا
ٱللَّهُ
وَرَسُولُهُ
وَصَدَقَ ٱللَّهُ
وَرَسُولُهُ
وَمَا زَادَهُمْ
إِلاَّ إِيمَانًا
وَتَسْلِيماً
مّنَ
ٱلْمُؤْمِنِينَ
رِجَالٌ
صَدَقُواْ مَا
عَـٰهَدُواْ
ٱللَّهَ عَلَيْهِ
فَمِنْهُمْ مَّن
قَضَىٰ نَحْبَهُ
وَمِنْهُمْ مَّن
يَنتَظِرُ وَمَا
بَدَّلُواْ
تَبْدِيلاً
لّيَجْزِىَ
ٱللَّهُ
ٱلصَّـٰدِقِينَ
بِصِدْقِهِمْ
وَيُعَذّبَ
ٱلْمُنَـٰفِقِينَ
إِن شَاء أَوْ
يَتُوبَ
عَلَيْهِمْ إِنَّ
ٱللَّهَ كَانَ
غَفُوراً
رَّحِيماً]
(الأحزاب:22-(24
ومهما يكن
من أمر فإن
القعود وترك
العمل هو خنجر
يجهز على حياة
الأمة، إن أخطأها
الخنجر
الأول، وإن كان
الأول قد أصابها
فإن هذا الثاني
يسرع في إزهاق
روحها والفتك
بها.
سبيل حماية الأمة
من خنجر فقد
الثقة بالنفس
الناتج عن فقد
الأمة لثقتها
بدينها وعقيدتها.
وحتى نثبت الثقة
بالنفس، ونطرد
شبح اليأس، لا بد
من معرفة حقيقة
هذه الأمة، هل هي
أمة ذليلة في كل
مراحل حياتها؟ هل
عاشت هذه الأمة
قرينة الهزائم؟
هل كان لهذه
الأمة مجد تليد؟
هل ما
تمر به هذه الأمة
أزمة عابرة، لا
تلبث أن يعقبها
انبلاج فجر جديد؟
هذه الأسئلة
لا تلبث أن
تتلاشى إذا ما
ألقى الإنسان
نظرة عابرة على
تاريخ هذه الأمة
المجيد، هذا
التاريخ الذي
يبعث في المسلم
التفاؤل، ويخلصه
من أوهام الخوف،
ويهز فيه الحنين
للسؤدد والمجد،
فيحرك فيه التمرد
على الواقع
المؤلم الذي
تعيشه الأمة،
وهذا ما
يخشاه أعداؤها كل
الخشية.
أعداء هذه الأمة
يريدون الناشئة
أن تدرس تاريخ
الفراعنة
والآشوريين،
والبابلين
والفينيقين، أو
يدرسون تاريخ
الأسر التي حكمت
بعض
البلاد.
ويريدوننا أن
نطوي في صفحات
النسيان تاريخ
العظماء، لا
يريدوننا أن نعرف
خالد بن الوليد،
ولا سعد بن أبي
وقاص، ولا
الفاروق عمر،
يريدون جيلاً، بل
أجيالاً
تجهل عدل عمر بن
عبد العزيز، وقوة
أحمد بن حنبل،
ونجدة المعتصم،
وفتوحات صلاح
الدين
قاهر الصليبين،
يريدون أن تجتث
الأمة من أمجاد
قاهر التتار،
وفاتح
القسطنطينية.
نعود بكم أيها
الإخوة إلى ما
قبل أربعة عشر
قرناً، إلى ضفاف
نهري دجلة
والفرات، إلى تلك
البلاد العريقة،
إلى أرض الأمجاد
والفتوح، في
عراقنا
الحبيب، في عهد
من عهود ثالث
أعظم رجالات
التاريخ
الإسلامي، بل
التاريخ كله، في
عهد
الفاروق عمر بن
الخطاب
.
كان الصراع بين
الدولة الإسلامية
وبين أقوى دول
الكفر
والطغيان،
المعسكرين الشرقي
والغربي، الفرس
والرومان على
أشده.
وفي جنبات هذا
الصراع، ترسم
معركة من أعظم
معارك الإسلام،
كانت شامة في
تاريخ المجد،
ومناراً في
طريق الهدى، إنها
معركة القادسية،
التي حدثت في
العام الرابع عشر
للهجرة
النبوية.
فلننتقل إلى
الجبهة.
ههنا جيش مسلم،
جُله من
العرب، فيه
ثلاثون ألف
مقاتل، من جنود
جاؤوا متطلعين
إلى الشهادة في
سبيل الله،
متطوعين من تلقاء
أنفسهم، كان
الجندي منهم هو
الذي يعد لنفسه
الراحلة، ويعد
لنفسه
السلاح، ويعد
لنفسه الزاد، فإن
لم يجد ما يتزود
به عاش على
التمرات أو
التمرة يومه
كله، فهل وجد في
تاريخ البشر
جميعهم مثل هؤلاء
الجنود؟
إنهم المثل
الأعلى في
الجندية في كل
مكان وزمان، كان
الواحد منهم
يقاتل وهو جائع،
يقاتل وهو متعب،
يقاتل
وهو مثخن، يقاتل
وهو مريض، قاتل
في الصحاري
المتوقدة في
المناطق الحارة،
قاتل على
السفوح المغطاة
بالثلوج في
المناطق الباردة،
قاتل في آسيا، في
أوروبا، في
أفريقيا،
قاتل في البر،
وقاتل في البحر،
كان الشاب يقاتل،
والشيخ يقاتل، بل
والمرأة
تقاتل.
مُني الفرس بعدة
هزائم متلاحقة،
أوجعتهم بها
ضربات المسلمين،
فعزم يزدجرد
ملك الفرس على
إنهاء تلك
الهزائم، فجمع
طاقاته كلها،
وحشد أكبر عدد من
المقاتلين،
واستخدم أعنف
أنواع الأسلحة
التي قدر عليها
في وقته، فبلغ
ذلك المثنى بن
حارثة
الشيباني فكتب
إلى خليفة
المسلمين في
المدينة عمر بن
الخطاب ، فقال
عمر قولته
المشهورة: والله
لأضربن ملوك
العجم بملوك
العرب، وأعلن
النفير العام
للمسلمين أن
يدركوا المسلمين
في العراق، فقد
رأى ببصره الثاقب
حجم تلك الحشود،
وضخامة المعركة،
والآثار المترتبة
عليها، فهمَّ في
أول الأمر
بالخروج بنفسه.
واجتمع الناس
بالمدينة فخرج
عمر معهم إلى
مكان يبعد عن
المدينة ثلاثة
أميال على طريق
العراق،
والناس لا يدرون
ما يريد أن يصنع
عمر، واستشار عمر
الصحابة في
قيادته للجيش
بنفسه،
ثم أشاروا عليه
بغير ذلك، فقال
لهم: (إني كنت
عزمت على المسير،
حتى صرفني ذوو
الرأي
منكم، وقد رأيت
أن أقيم وأبعث
رجلاً، فأشيروا
علي برجل).
فأخذ الناس
يشيرون
عليه، حتى قال له
الصحابة: إليك
الأسد في براثنه،
سعد بن أبي وقاص،
إنه الأسد
عادياً.
فاستدعاه عمر
ووصاه، وأوصى
الجيش الذي معه،
وأمر سعد الجيش
بالسير ومعه
أربعة آلا |