5- التجديد والإبداع

التجديد والإبداع

 

مقدمة

 

إن أحد جوانب الخلل في المنهج الذي أضر بقضيتنا نحن سنة العراق - لا سيما العرب منهم - هو الفكر القديم الذي يكرر نفسه دون قدرة على مواكبة التغيرات الحادثة على طول الطريق في مسيرة الحياة بكل مفاصلها، ما جعلنا مشلولين عاجزين عن الحركة السديدة التي تخدم وجودنا، وتستخلص حقوقنا، وتحفظ كياننا من الذوبان أمام خصوم يريدون ابتلاع كل شيء على حساب وجودنا وحقوقنا وكياننا.

ثمة أجزاء تالفة في حاجة ماسّة إلى اجتثاث، إلى جانبها أجزاء جيدة تتطلب إدامة قبل أن يتسلل إليها التلف بالحث والتسرب والعدوى، وإلى جانب هذا وذاك لا بد من الإضافة وإعادة الخلط والتركيب.

والمجدد هدامٌ بناء: يهدم، لا لأجل الهدم؛ فذلك هو التخريب والفساد، وإنما لأجل البناء القائم بلبناته الصالحة، السالم من العناصر الفاسدة.  

لا بد إذن من أن نمسك بفأس أبينا إبراهيم عليه السلام، ونرفعها لنهوي بها على أصنام ذلك الفكر العقيم، كي نقيم محلها بناء قويماً من الفكر السليم، القادر على الرؤية التي تفرز الصالح لتبقيه من الفاسد لتعزله وتحرقه. وتضيف إلى ما تبقى ما تحتاجه عملية التغيير والتطوير من أفكار إبداعية خلاقة.

إن هذا لا يكون دون وجود القائد الذي يرصد حركة الحياة ويتعامل معها بطريقة استثنائية. وذلكهو المجدد المبدع. ولا مجدد حقيقي دون قابلية على الإبداع، والإتيان بالجديد الذي يطور الفكر ويقفز به، ويحسن العمل، ويجود الأدوات، ويضاعف الطاقة، ويقلل الجهد، ويصل إلى الهدف من أقرب طريق، مع مراعاة الذوق والجمال، ليبقى التكامل بين الوظيفة والجمالية محفوظاً قابلاً للمزيد.

ولا أقصد بالقائد، الواحد الفرد؛ فذلك هو الصنم، وإن كان في نهاية المطاف سيكون على رأس القائمة واحد هو القائد الأعلى، وإنما أقصد به مجموعة القادة الذين تتشكل منهم مؤسسة التغيير. علماً أنه لا ثمرة ترتجى من وراء العمل التجديدي المبدع ما لم ترتبط الجهود وتتناسق في منظومة أو مؤسسة منظمة تحرك أجزاء العمل كلها بتناغم موحد يذوب الجزء فيه بالكل، ويأخذ الكل بحركة الجزء ويفعِّلها ويتفاعل معها ويضاعف من فعاليتها نحو نهايتها المحددة سلفاً، المتوحدة بنهايات أجزاء المنظومة جميعاً.

التجديد القائم على الإبداع هو الإطار الذي يتحرك في فضائه (منهجنا)، والمسار (أو البرنامج) الذي يسلكه للوصول إلى الهدف المنشود. بل هو الروح التي بدونها سيموت كل شيء، وتمسي المؤسسة مجرد هياكل وإدارات وموظفين ينتظرون مصيرهم كأي شيء زائد في الحياة.

ما هو التجديد؟ وما هو الإبداع؟ وكيف يختلط أثرهما في النسغ الصاعد في جذع القضية؛ وصولاً إلى تخليق أطيب الثمار وأحلها وأحلاها، منطلقين من الشرع وإليه ونحن نرود مسافات.. ونتوغل في مساحات.. ونتغلغل في زوايا قد لا تكون مكتشفة حتى الآن، ولا ينبغي أن تظل مطمورة تحت أتربة المنهجية القديمة والأفكار السقيمة: هو موضوع هذه الورقات،وضعتهفيمقدمةمنهاجنا؛تأكيداًعلىأنهمن دون إبداع وقدرة على التجدد وتقمصروحالتجديد واستمراريته لا يمكن أن نحدث الأثر المطلوب، ونحقق الهدف المنشود. أرجو أن أسد به ثغرة، وأضع لبنة في بناء القضية العظيم.

 

 

سبب اهتمامنا بموضوع التجديد ؟

 

الأسباب والدوافع التي حدت بنا إلى الاهتمام بموضوع (التجديد) متعددة ومتنوعة، وسيجدها القارئ في ثنايا الكتاب. ولكن أود التنويه من بينها بأمرين اثنين على درجة بالغة الأهمية والخطورة، دفعاني لإدخاله في موضوعات المنهج، وهما:

1. رأيت جماعات ومؤسسات كبيرة كان لها وجود حيوي وتأثير إيجابي لا ينكر، ثم أصيبت بالجمود وضعفت قابليتها على التجدد فترهلت وتضخمت ثم خمدت وهمدت، وأمست عقبات وأحجار يعثر بها السائرون على الطريق. وهذا أمر مقلق لكل صاحب قضية يؤسس لمنظومة تحملها ويخشى أن يصيبها ما أصاب مثيلاتها من قبل. فلم أرَ كالتجديد - إذا فهم على وجهه، ثم حوِّل إلى قصده - شيئاً يمكن أن يزود المؤسسة بالقدرة الذاتية على الاستمرار بالعطاء المتجدد فكراً وعملاً، ويمنحها القابلية المتطورة على التعامل مع المتغيرات الحادثة على طول الخط، والحيلولة بينها وبين تحولها - عاجلاً أم آجلاً – إلى مجرد إدارة تؤدي أعمالاً وظيفية نمطية مكررة. أي تتحول إلى هيكل قائم لا روح فيه، كما هو شأن تلك المؤسسات الخاملة المترهلة. والله تعالى أمرنا أن نأخذ العبرة ممن سبقنا حتى لا يصيبنا ما أصابهم فقال جلّ وعلا: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16)، ثم قال بعدها، نافخاً الروح في النفوس، ونافحاً الأمل في القلوب، وباعثاً الهمم في الرمم: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد:17).

2. منع بروز ظاهرة (الصنمية) في المؤسسة، بدءاً بالصنم الكبير ونزولاً إلى أصغر عضو فيها. وهي ظاهرة متفشية في كل المؤسسات الجامدة. بل هي سبب جوهري من أسباب جمودها وفسادها. وذلك بمعالجة العلل الجمعية الشائعة في مجتمعاتنا الاستبدادية الاضطهادية، والتي تؤدي في نهاية المطاف بلا خُلْف إلى وجود تلك الظاهرة التي تمثل الخطر الأكبر على كيان المؤسسة، والأهداف العظيمة التي أنشئت لأجلها، والغايات السامية التي تتطلع لبلوغها.

التجديد وفقهه، ثم تحويله إلى جزء لا يتجزأ من كيان المؤسسة: في نظامها المكتوب، وأدائها المعمول به، وفي مقدمة ذلك أمران 1. فهم الدوافع النفسية الفردية والجمعية التي تصنع الصنمية 2. ومبدأ (الشورى التشاركية): هو الذي يمنع بروز ظاهرة الصنمية بإذن الله تعالى.

أكتب تعليق (1 تعليق)
تعدد المجددين وتجزؤ التجديد
 
التجديد يتجزأ

التجديد – كالفقه وغيره من العلوم - يتجزأ، وموضوعاته كثيرة، كذلك الإبداع. وليس من شرط المجدد المبدع أن يكون موسوعياً، وليس ذلك في مقدور إنسان؛ فالمجدد يكون مجدداً في مجال أو أكثر، وليس في كل مجال.

 
المجددون يتعددون

المجدد إذن قد يكون مجدداً في موضوع، وجامداً في موضوع آخر. فكلمة (من يجـدد) الواردة في حديث النبي e لا يلزم منها أن يكون المجدد فرداً، بل لا بد للتجديد الحقيقي من مجموعة مجددين، فهناك مجدد في الحكم، ومجدد في السياسة، ومجدد في التفسير، ومجدد في التاريخ، ومجدد في العسكرية وفي علوم الطبيعة.. وهكذا. وكمال التجديد - بل شرطه الذي من دونه لا تظهر نتيجته، ولا تقطف ثمرته - أن يكون ضمن منظومة تنسق عملهم، تزاوج بينه وتخرجه إلى حيز الوجود.

وعلى هذا علينا أن نحترم الاختصاص. وفي الوقت نفسه علينا أن لا ننساق وراء المجددين المبدعين في كل المجالات، إنما نتبعهم في مجال إبداعهم واختصاصهم فقط.

قال الحافظ ابن كثير (الظاهر – والله أعلم – أنه يعمُّ حملةَ العلمِ من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء: من مفسرين, ومحدثين, وفقهاء, ونحاة ولغويين, إلى غير ذلك من الأصناف)([1]).
وقال ابن الأثير: (لا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلاً واحداً وإنما قد يكون واحداً، وقد يكون أكثر منه؛ فإن لفظة (مَنْ) تقع على الواحد والجمع. وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعوث: الفقهاءَ خاصة - كما ذهب إليه بعض العلماء - فإن انتفاع الأمة بالفقهاء، وإن كان نفعاً عاماً في أمور الدين، فإنّ انتفاعهم بغيرهم أيضاً كثير مثل: أولي الأمر، وأصحاب الحديث، والقراء والوعاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد؛ فإن كل قومٍ ينفعون بفن لا ينفع به الآخر؛ إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء، ويُتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر. وكذلك أصحاب الحديث ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع، والقرّاء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا. فكل واحد ينفع بغير ما ينفع به الآخر.. فإذا تحمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى، وأبعد من التهمة، وأثبه بالحكمة.. فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعةٍ من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة، يجددون للناس دينهم)([2]).
 
لا مجدد فرداً بعد النبي صلى الله عليه وسلم

باستحضار الحقائق الأربعة السابقة، وهي:

  1. 1- الإبداع ممارسة جماعية
  2. 2- الفكر المبدع نتاج فعل اجتماعي نسقي
  3. 3- التجديد يتجزأ
  4. 4- المجددون يتعددون

نصل إلى نتيجة مهمة هي أنه من غير الممكن أن يكون المجدد واحداً في كل عصر، بل التجديد مهمة كبيرة لا يقوى على حملها أحد منفرداً بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو النبي الذي اجتمع فيه كل الأنبياء، وليس ذلك لأحد من قبله ولا من بعده. ويمكننا طبقاً لهذه النتيجة أن نوسع من دائرة النظر لتشمل العديد من الرجال - ولا مانع أمام النساء من ذلك - في كل زمان يمكن أن ينطبق عليهم وصف التجديد. وحين تكسر الحواجز المادية والمعنوية بين هؤلاء، ويتم الاتصال بينهم في زمان معين تحصل النهضة للأمة في ذلك الزمان، وحين تتناسق جهودهم في مكان معين تحصل النهضة للأمة في ذلك المكان.

وهذه النتيجة تقوي من الرأي القائل بأنه لا مهدي بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه في كل زمان يوجد مهديون متعددون مبثوثون في الأمة، هم المصلحون المجددون.

 

الحاكم أولى من العالم بوصف ( المجدد )

من تأمل الكلام السابق، وتدبر فنظر في الزمان والدعوات وحاجتها إلى التجدد وعملية التجديد، عرف أنه لا تمر فترة (25) عاماً حتى تتطلب أي دعوة أو دولة أو مؤسسة تجديداً تحافظ به على حيويتها وتمتلك به قابليتها على الاستمرار. وهذا يقوي القول بأن الصحيح في نص الحديث – وإن اختلف في صحته – لفظ (قرن) أي الجيل من الناس كما سبق بيانه في حاشية تخريج الحديث، وليس لفظ (مئة عام). وأرى – طبقاً لهذه الحيثيات مجتمعة - أن المجدد الحقيقي أو المجدد بمعناه المطلق هو الحاكم المسلم، وأن الحاكم أولى من العالم بهذا الوصف؛ لأنه الوحيد الذي يمكن أن يعم تجديده فيسري في جميع مفاصل الدين بمعناه الذي هو عليه والذي يشمل حركة الحياة كلها خاضعة لشرع الله تعالى، وبصورة عمل تديره منظومة تنتج فعلاً اجتماعياً نسقياً، مبني على معرفة قابلة للاختبار. على أن هذا لا يغمط العالم حقه ووصفه وكونه (مجدداً) ما دام أنه يمارس عملية التجديد فكراً وتطبيقاً. لاسيما في فترات تخلي الحكام عن وظيفتهم الحضارية الكبرى، كما في هذا الزمان، وقبله بكثير. لكن تجديده يبقى محصوراً في المجال الذي يمكنه أن يتحرك فيه. وهذا يضيق ويتسع طبقاً لقدرته وظرفه.

كما أرى أن أول حركة تجديد في تاريخنا كانت خلافة معاوية رضي الله عنه، فمعاوية أول مجدد في تاريخ الإسلام. وكانت هذه الحركة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بـ(30) عاماً. وقد ولدت ولادة متعسرة ابتدأت قبل ذلك بـ(5) أعوام([3]).

 


[1]- البداية والنهاية، 6/89، مكتبة الفلاح بالرياض. انظر الرابط على الشبكة:

http://www.khutabaa.com/index.cfm?method=home.kndetails&knid=3683

[2]- جامع الأصول ج11 ص320 – 324.

[3]- انظر الملحق في نهاية هذا الموضوع بعد صفحات قليلة.

أكتب تعليق (0 تعليقات)
ليس من شرط التجديد الإتيان بجديد

 

 

كان أحد مشايخ الدين في مدينة الحلة يتكلم بحماس وهو يعرض على لجنة التوعية الدينية في دائرة الأوقاف أن تقوم بتوجيه دعوة رسمية إلى أحد الأساتذة المعروفين في بغداد ليتحدث في مسجده عن (العولمة). كان ذلك في نهايات عقد التسعينيات!

ما الذي يعالج موضوع (العولمة) من مشاكل أهل السنة في الحلة؟ وما مدى حاجتهم إليه؟ علماً أن الإتيان بمثل ذلك الأستاذ من بغداد إلى الحلة مُكْلف جهداً ووقتاً ومالاً. لا سيما مع إهمال أو تضييع هذا الشيخ ونظرائه في ذلك المكان الموضوعات الأساسية التي ينبغي أن يهتموا بها! لقد كان يكفي المصلين في مسجد ذلك الشيخ أن يتحدث هو لهم عن ذلك في بعض خطبه أو يعقد له محاضرة، أو يشرح لهم الموضوع في جلسة عامة أو خاصة. ويوفر ذلك الجهد للموضوعات التي تمس الواقع.

انظر إلى قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (البقرة:189). لقد نزل رداً على بعض الصحابة حين سألوا النبي u عن القمر كيف يبدو هلالاً ثم يكبر حتى يصير بدراً ثم يصغر حتى يعود هلالاً ؟ فبين لهم الله تعالى أن الأولى بهم أن يهتموا بتصحيح أوضاعهم ويلتفتوا إلى تقاليدهم المتخلفة التي ما زالوا عليها مثل التشاؤم حين الرجوع من السفر من دخول البيت من بابه، فيتسور أحدهم الجدار بدلاً من ذلك! أما تلك المسائل العلمية الكبيرة فهو غير مهيأ لإدراكها بسبب فقدانه لمقدماتها العلمية؛ فيكون البحث فيها نوعاً من الترف أو العبث العقلي الذي لا طائل من ورائه. ولو أجابهم القرآن العظيم إلى ما طلبوا لما استطاعوا فهم جوابه ولانشغلوا عن الواقع بجدل عقيم يضر أكثر مما ينفع. وهذا شبيه بدخول البيوت من غير أبوابها. هذا رغم كون الموضوع جديداً! وهكذا هو حال ذلك الشيخ في مثالنا آنف الذكر. إذن قد يكون الجديد مدعاة للجمود والتقهقر بدلاً من التجديد والتقدم.

لم يأت الشيخ محمد عبد الوهاب بجديد زاد فيه على بعض مفردات خطاب شيخ الإسلام ابن تيمية. لكنه كان مجدداً؛ حين بعث في الواقع الجديد ما يناسبه ويحتاجه من الخطاب القديم. وذلك داخل في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ) (الزمر:18).

وهذه من كبريات المشاكل الفكرية في عالمنا الديني؛ لأن أصحاب المؤسسة الدينية الذين يتولون قيادة الجمهور دينياً - وسياسياً في بعض الظروف والأحيان - غالبهم متخلفون علمياً وفكرياً. وأمثلهم طريقة من يجعل شغله الشاغل كسب عواطف الجمهور وشد انتباههم. وهذا يدعوه إلى محاولة الإتيان في كل مرة بجديد أو غريب بصرف النظر عن مساسه بحياتهم وواقعهم.

  • • المشكلة أن جمهور الناس مغرم بكل طريف وغريب وعاطفي حتى لو كان خيالياً أو خرافياً! فتراه يلهث وراء من يلبي هذه النزعة المريضة فيه. وهذا يجعل من الخطيب أو المحاضر بهلواناً لا هم له إلا شد انتباه الجمهور وإن كان ذلك على حساب حاجته، بل عقله وفكره! هذا حال الخيرة من الخطباء! فكيف بالبقية ممن لا همّ لهم إلا التمسك بالمنبر أو بالبيت التابع للمسجد مهما كان الثمن؟! هذا مع احتفاظنا باستثناء القليل النادر منهم.

وهكذا صار المنبر من أكبر أسباب الجمود الديني بدلاً من أن يكون السبب الأول في التجديد! رغم أن بعضه يطرح مسائل جديدة، لكنها لا تحرك الواقع المتجمد بسبب عدم أو ضعف مساسها به.

أكتب تعليق (0 تعليقات)
primi sui motori con e-max.it