7- المرأة في مشروعنا

المرأة هي العنصر الآخر في تكوين المجتمع.
فالمجتمع إنما هو رجل وامرأة، ولا ثالث لهما.
وهذا يحملنا مسؤولية دينية واجتماعية وتاريخية تجاهها لا بد من دفع استحقاقها. وإذا كانت الربانية أول وصف جوهري من أوصاف مشروعنا، وأول خط مميز من خطوط هويتنا.. فما هي نظرتنا الربانية إلى المرأة تأسيساً وتطبيقاً، أو فكرةً ننطلق منها، ودوراً أساسياً يناط بها، مبنياً على تلك الفكرة الربانية التي هي - في حقيقتها - أحد جوانب عقيدتنا الإسلامية؟ لا بد إذن من وضع عنوان بارز يتناول هذا الموضوع الخطير ضمن عناوين (منهجنا)، الذي هو منطلق (مشروعنا).
بتفصيل أكثر نقول: إن إفراد الحديث عن المرأة بعنوان خاص في (منهجنا) نابع لدينا من ثلاثة أمور أساسية، هي:
1. إيماننا العميق بأن للمرأة دوراً عظيماً في التجديد والتغيير والبناء ينبغي أن نفسح لها المجال ونوفر لها البيئة المناسبة في مشروعنا لتأديته. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (النساء شقائق الرجال)(1). أي مثيلات ومساويات إلا ما استثناه الشرع من خصوصيات تتعلق بالاختلاف الفسلجي والعاطفي وما شابه، مراعاة للمرأة، مثل ترك الصلاة أثناء الحيض، وإعفائها من الجهاد بالسلاح، لا تقليلاً من شأنها أو تنزيلاً من قدرها ومنزلتها عن الرجل في المرتبة الإنسانية والحقوق المدنية. وعلى هذا الأساس بنينا ذلك الإيمان العميق بدور المرأة في التجديد والتغيير والبناء.
2. تغييب المرأة عن دورها الذي ينتظرها في الإصلاح والنفع العام، والذي لا يمكن أن يغطيه الرجل وحده دونها. خصوصاً في عملية التجديد الفكري والتغيير الاجتماعي والبناء الحضاري الذي بات المجتمع السني، في العراق، كباقي البلدان العربية والشرقية، بأمس الحاجة إليه.
3. الظلم الواقع على المرأة في مجتمعاتنا على تنوع بيئاتها: شعبية وعشائرية، ريفية ومدنية، دينية وسياسية، وغيرها. من الناحيتين: النفسية والجسدية. فهي تتعرض لتبخيس مستمر من قبل الرجل، كثيراً ما (تجتافه)(2) المرأة بفعل التكرار والثقافة الشائعة، فتصدق ما يقال عنها من ذلك، فتنظر إلى نفسها على أنها دون الرجل: في إنسانيتها خِلقياً ومنزلتها اجتماعياً. وهذا يعقد المشكلة ويجعل علاجها صعباً. كما تتعرض إلى الأذى الجسدي من الضرب والتقييد الزائد في البيت استجابة للعرف خارج إرشادات الشرع. إضافة إلى حرمانها من بعض حقوقها في الزواج واختيار الشريك المناسب، ومعاملتها كإنسان ناقص الأهلية في الولاية على نفسها ومالها.
في هذه الفقرة من (منهجنا) محاولة لرسم الخطوط العامة وبيان الركائز الأساسية التي نستند إليها في رؤيتنا الشرعية السمحة للمرأة ودورها الرباني الكبير في مشروعنا العظيم، دون الخوض في التفاصيل: فقهيةً كانت أو اجتماعية أو سياسية. فهذه توابع لتلك الخطوط والركائز، إن صلحت صلحت توابعها، وإن فسدت فلا معنى لتعديل الظل والعود أعوج.
هكذا جاء البحث كلياً تأصيلياً، كما هو شأنه في بقية فقرات المنهج.
تكلمنا أولاً عن أصل أصول الربانية في رؤيتنا لهذا الموضوع، وهو (المرأة في القرآن والسنة). أتبعته ببيان (الأصل الواحد) والطبيعة الواحدة للجنسين. ثم أصلت لقانونين كونيين هما (قانون الزوجية) و(قانون التكامل)، وقانون اجتماعي هو (قانون التفاضل). لما لهذه القوانين الثلاثة من أجوبة شافية على الإشكالات الطارئة على مرتبة المرأة في سلّم الإنسانية، والتفاضل بينها وبين الرجل في التكاليف والرتبة الوظيفية والاجتماعية. وهذان القانونان محكومان بقاعدة (المقصود الأبعد). تلا ذلك التقصي عن (جذور التبخيس الاجتماعي) للمرأة، الذي تناولته من جانب بذوره التربوية الأولى في البيت والمجتمع، ومن جانب جذوره النفسية الجمعية التي يفصح عنها (علم النفس الاجتماعي) أو (سيكولوجية الجماهير)، فكانت (الثقافة الاضطهادية) أهم تلك الجذور. وعرجت بعدها على معادلتين إحداهما دينية قانونية هي (معادلة العدل والمساواة)، التي تكشف لنا عن سر التفاوت الوارد في شرعنا في توزيع المهام والحقوق بين الجنسين، والثانية قيادية إدارية هي (معادلة المنظومة القيادية لا القيادة الفردية)، التي تعتبر من أهم المعادلات الحديثة في القيادة وتحريك الطاقات واستثمارها على أتم وجه. وقد فصَلت بينهما بإيراد قاعدة مهمة من قواعد الفكر السليم والتصرف القويم هي (الواقعية في التفكير والسلوك والفتوى)، والتي تعتبر من ميزات شريعتنا التي أهلتها للصلاحية في جميع الأدوار والأطوار زماناً ومكاناً وأعياناً. وأكدت على ضرورة الوعي بها واتخاذها مساراً من المسارات المهمة في (منهجنا) كي يكون ويظل منهجاً مرناً قابلاً للتغيير والتطوير باستمرار. وقد جاءت هذه القاعدة في هذا الموضع بين المعادلتين لأسباب اقتضاها التسلسل الموضوعي للبحث. وقبل أن أنتهي من البحث قمت بالتقاط أهم مفاتيح شخصية المرأة ألا وهو (الثقة بها)، ذلك المفتاح الذي يبعث طاقاتها من مكامنها ويضعها في أماكنها من سلم المنظومة القيادية. لأختم أخيراً ببيان (المظالم الواقعة على المرأة) وخطوط عامة عن (دور المرأة في عملية التغيير الاجتماعي)؛ فتحديد الأهداف ورسم الأدوار ينشأ من واقع الحاجة وألم المعاناة.
والله تعالى وحده أشكر على توفيقه وتيسيره الذي كنت أنعم بظلاله وأترشف من زلاله طيلة أيام البحث الزاهية ولياليه الباهية في هذا الزمن الكنود.


الإثنين
2/12/2013

 


[1]- أخرجه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود. وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله عن صحة الحديث ومعناه فأجاب: نعم هذا حديث صحيح، والمعنى - والله أعلم - أنهن مثيلات الرجال إلا ما استثناه الشارع؛ كالإرث والشهادة وغيرهما مما جاءت به الأدلة. انظر موقع الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز http://www.binbaz.org.sa/mat/3427

[2]- الاجتياف Introjection هو تلقي وتمثل أو تقمص كل ما هو مرغوب فيه من الصفات وغيرها، وتصوره جزءاً من الذات كما يتمثل الجسم الطعام. مأخوذ من إدخال الطعام إلى الجوف. وهو عملية نفسية دفاعية لا واعية إجمالاً.

 

 
أكتب تعليق (0 تعليقات)


المرأة في القرآن والسنة

 

 

في الصفحات الأولى منه يروي لنا القرآن الكريم قصة الخليقة، فإذا هي تبتدئ باثنين: أحدهما امرأة. كما ابتدأت قصة الإسلام باثنين: أحدهما امرأة. وفيما يلي بيان مختصر يتناسب والمنهج عن المرأة في القرآن، ثم في السنة.   

 

1. المرأة في القرآن الكريم
منح القرآن الكريم المرأة مساحة شاسعة تليق بها تناولت الحديث عن إنسانيتها ومنزلتها والأحكام الشرعية المتعلقة بها، ووظيفتها الاجتماعية في البيت وخارجه، والدور الذي قامت به بعض الشخصيات النسوية عبر التاريخ في جانبيها: الإيجابي والسلبي. وأفرد لها سورة كاملة هي إحدى (السبع الطوال) وسماها سورة (النساء)، كانت الثالثة من بينها بعد سورتي (البقرة وآل عمران)، اللتين ما كان لهما إلا أن يتصدرا كوكبة سور القرآن بعد فاتحته أو مقدمته المختصرة. كما دافع عنها ونهى عن ظلمها وحرم إيقاع الأذى بها، وسن لذلك بعض التشريعات الضامنة، وترك بقيتها ليتولى النبي صلى الله عليه وسلم بيانها وتشريعها.
من أوائل الشخصيات النسوية التي مجد القرآن سيرتها إلى درجة جعلت بعض علماء الإسلام يقولون بنبوتها، مريم بنت عمران رضي الله عنها، أم النبي العظيم عيسى عليه السلام، الذي نسبه الله تعالى إلى أمه أكثر من (20) مرة في كتابه. واستغرق ذكر قصتها وكراماتها في سورة (آل عمران) وغيرها من السور مساحة واسعة، بل أفرد القرآن لها سورة كاملة سماها باسمها سورة (مريم). هذا وما زالت بعض مجتمعاتنا الإسلامية تخجل من ذكر اسم الأم، فضلاً عن الزوجة والأخت والبنت؛ وكأنه عورة تستر، وزنَمة ينبغي أن تبتر!
كانت المرأة حاضرة أيضاً في مسيرة أبي الأنبياء عليه السلام في شخص زوجته التي خاطبتها الملئكة فقالت لها: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (هود:73). كما كانت موجودة بقوة في حياة النبي موسى عليه السلام من خلال أمه وأخته وزوجته وأختها.
وتأتي بلقيس ليضرب بها القرآن الكريم مثالاً رائعاً للمرأة الحاكمة الحكيمة، فكانت قصتها مع نبي الله سليمان عليه السلام شاهداً من الشواهد الدالة على السياسة البارعة، ممثلة بامرأة، في تعامل الحاكم مع القوى العالمية وكيفية استثمارها في سبيل نفع شعبه وتجنيب بلده ويلات الحروب والاحتلال.
لم يتجاهل القرآن العظيم دور المرأة في جانبه السلبي؛ لتكتمل الصورة، وهذه هي طريقته الثابتة في تناول سيرة الأشخاص أيضاً، فهو يعرض الإنسان كما هو بجانبيه حتى وهو يتناول بالذكر أفضل الخلق الأنبياء عليهم السلام، وهو ما يفتقده المنهج الشائع اليوم، إذ يعرض سيرة العظماء من جانبها القوي المشرق ثم يبالغ فيه، ويتناسى الجانب الضعيف ويعرض عنه. وذلك من أسباب الخلل التربوي. فكانت امرأة العزيز وامرأة نوح وامرأة لوط عليهما السلام، وكذلك امرأة أبي لهب من شواهد ذلك.
أما نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد منحهن الله تعالى أعظم المراتب إذ قال سبحانه من ضمن ما قال في حقهن: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) (الأحزاب:32). وإذ شرفهن بتبليغ الوحي فقال في الآية التي بعدها: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) (الأحزاب:34). وقد حفل القرآن بكثير من أخبارهن ومواقفهن وذكر جوانب من العلاقة الرابطة بينهن وبين النبي صلى الله عليه وسلم كزوج وكنبي.
وفي سورة (الأحزاب)، التي هي بحق سورة أمهات المؤمنين، وسورة (التحريم)، وغيرهما من السور، دلائل وبينات على التعامل الكريم، والاستقرار النفسي الذي كان يسود بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ورفرفات السعادة التي كانت تحوطه وتزينه. يكفي أن تقف عند هذه الآية: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (التحريم:3)! لم يشتد في تأنيب زوجته التي لم تحافظ على سره، ولم يسرد على مسمعها كل الحديث بل اكتفى بما يؤدي المقصود منه وأعرض عن بقيته احتراماً لمشاعرها ومداراة لحيائها وخجلها، ورفقاً بتلك القارورة أن تكسرها لمسة ضغطت عليها أكثر مما تحتمل زجاجتها. وقد يغاضب النبي زوجاته فيكتفي بالانسحاب وترك البيت لهن. ولو فعله واحد منا اليوم لعيروه بأبشع الألفاظ، ونبزوه بأشنع الأوصاف.
يروي البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد سأله ابن عباس رضي الله عنهما عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، اللتين قال الله لهما: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) فقال: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصحت على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل). وفي سياق الحديث يذكر سيدنا عمر اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه جميعاً شهراً واعتكافه في مشرُبة (= غرفة)، يقول:  فدخلت عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه، متكئ على وسادة من أدَم، حشوها ليف، فسلمت عليه، ثم قلت وأنا قائم: طلقت نساءك؟ فرفع بصره إلي، فقال: (لا ولكني آليت منهن شهراً). والحديث طويل. وفي رواية لمسلم: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير. فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره. وإذا الحصير قد أثر في جنبه. فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع. ومثلها قرظ (= ورق شجر يدبغ به) في ناحية الغرفة. وإذا أَفِيق (= الجلد الذي لم يُدبغ) معلق. قال: فابتدرت عيناي. قال:"ما يبكيك يا ابن الخطاب؟" قلت: يا نبي الله! وما لي لا أبكي ؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك. وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى. وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار. وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته. وهذه خزانتك. فقال "يا ابن الخطاب ! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ؟" قلت: بلى.  
وهذا ما كان يفعله أحياناً بعض أصحابه حين يتعسر الخلاف بينه وبين زوجه، فيروي البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة، فلم يجد علياً في البيت، فقال: (أين ابن عمك)؟ قالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج، فلم يقِل عندي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: (انظر أين هو)؟ فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول: (قم أبا تراب، قم أبا تراب).
وما قيدته هنا إنما هو إطلالة خاطفة، أشرت بها سريعاً إلى مدى اهتمام هذا الدين بشأن المرأة، وحضورها الكبير في صناعة الأحداث ورسم تاريخ البشرية منذ بداية الخليقة إلى زمن تنزل القرآن.

 

وللرجال عليهن درجة
أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أن للرجال على النساء درجة فقال: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:228). فما هذه الدرجة؟ هل هي درجة الكرامة الإنسانية؟ أم درجة الوظيفة الاجتماعية التي أنيطت بكل منهما تبعاً للتفاوت فيما جبل عليه كل جنس من مقومات تلك الوظيفة؟
في قوله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (النساء:32) ما يشير إلى معنى تلك (الدرجة) إذا فسرناها بالتفضيل الوارد في الآية، وهو التفاوت في الميراث بين الرجل والمرأة بناء على أسباب موضوعية اقتضت هذا التفضيل. وهو تفضيل يتعلق بالناحية المادية لا بالدرجة الإنسانية. لكن في قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (النساء:34) ما يشير إلى أن (الدرجة) لها بعد ذاتي مغروس في الجِبِلَّة جاء التعبير عنه بقوله تعالى: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، وبعد مادي عبر عنه بقوله: (بِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ). والبعد الذاتي المتعلق بالقوامة وهي القيادة بشقيها: الصلاحية والمسؤولية؛ لأن (القوّام) هو "الذي يقوم على شأن شيء ويليه ويصلحه"(1).. هذا البعد يعني وجود عناصر فطرية جِبلّية مؤهلة للقوامة عند الرجل أكمل مما هي عند المرأة. من القوة البدنية التي فرضت القتال على الرجل دون المرأة، والقوة العقلية السالمة نسبياً من المعارض (الذي هو العاطفة) كي يتمكن من القيام بأعباء القيادة.
هذه العناصر الجبلية تتعلق بشيئين: قيادة البيت وحمايته من فيه ومنهم المرأة. والقيادة تقوم في الغالب على التفوق العقلي، وهو متحقق في جنس الرجال أكثر من جنس النساء. لأن القيادة خيار بين المرأة والرجل ولا ثالث لهما، وقد اقتضت حكمة الخلق أن تكون القيادة للرجل؛ فكان ينبغي أن تكتمل عناصر العقل عنده أكثر ما عند المرأة. على أنه ينبغي هنا التمييز بين العقل والذكاء. فالذكاء كمية والعقل نوعية، والذكاء ثمرة والعقل شجرة، والذكاء بيانات والعقل مبرمج، وقوة البيانات ببرمجتها لا بكثرتها. علاوة على ذلك فقد سلم عقل الرجل نسبة إلى عقل المرأة مما يعارضه من طغيان العاطفة. لهذين السببين: قوة العقل في ذاته، وسلامته النسبية من المعارض كان التفوق في هذا الجانب لصالح الرجل. وأما الحماية فتقوم على قوة البدن. وتفوق الرجل في هذا الجانب من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى دليل.
وليس في ذلك خرم للدرجة الإنسانية لصالح الرجل على حساب المرأة؛ فإن الرجال أنفسهم يتفاوتون فيما بينهم من الناحية البدنية والعقلية. ولا يكون استحقاق القيادة العسكرية إلا لمن بذهم فيهما كما قال تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:247). وأما قيادة السياسة والحكم فيشترط لها بسطة العلم، وتكمل ببسطة الجسم.

 


[1]- التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، ص38. الدار التونسية للنشر، تونس 1984.

أكتب تعليق (0 تعليقات)

التراب القاسي والضلع الآسي

 

 

3. الرجل خلق من تراب، والتراب أقرب إلى الجفاف والصلابة، بينما خلقت المرأة من ضلع، والضلع فيه لحم ودم وعصب فهو أقرب للين والإحساس والتأثر.

وعلى هذا الأساس فإن محاسبة الرجل للمرأة على تصرفاتها التي تصدر منها بمقتضى طبيعتها وفطرتها التي فطرها الله تعالى عليها، انطلاقاً من الزاوية نفسها التي يُنظر منها إلى الرجل، تقلب حسناتها سيئات أولاً، وتجسم هذه الأخطاء ثانياً، وتفسد العلاقة الزوجية ثالثاً. وهي – مع هذا وذاك - نوع من العبث المؤدي إلى عكس المطلوب؛ فـ(المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج). والمرأة في حديث آخر كالقارورة، وقد أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (رفقا بالقوارير) متفق عليه. فالمرأة تشبه القارورة.. ناعمة رقيقة شفافة، لا تحتمل العنف، وتكسر بسرعة. فعاملها كقارورة، وإلا فإنها إذا كسرت فستتحول الى آلة حادة جارحة. هذا مع ذواء جمالها وذهاب رونقها وفقدان وظيفتها. وقد لا تنفع بعد ذلك في شيء؛ لأن إعادتها الى الأصل سيكون ضرباً من المستحيل!

ومن أجمل ما قيل في ذلك:

على حواء أن تفتخر بأنها خُلقت من ضلعٍ، وإن كان أعوج..!فالاعوجاج إنما هو العاطفة عند المرأة التي تغلب عاطفة الرجل. وعلىآدمأن لا يُحاول إصلاح ذاك الاعوجاج؛ لأنه - كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم - إن حاول الرجل إصلاح ذاك الاعوجاج كسرها.

فيا آدم، لاتسخر من عاطفة حواء فهي خُلقت هكذا.. وهي جميلةٌ هكذا.. وأنتَ تحتاج إليها هكذا. فروعتها في عاطفتها؛ فلا تتلاعب بمشاعرها.

ويا حواء، لا تتضايقي إن نعتوكِ بناقصة عقل.. فهي عاطفتكِ الرائعة التي تحتاجها الدنيا كلها.. فلا تحزني.

 

نقص بنقص وكمال بكمال

4. إن هذا الإخبار النبوي عن خلق المرأة من ضلع، ورد في سياق وصية الرجال بالنساء: (استوصوا بالنساء خيراً)، ومعاملتهن بالمعروف، بأن يصبروا عليهن؛ لأن طبيعة المرأة تغلب عليها العاطفة بحكم خلقهن الذي لا يعلم مبدأه إلا الله سبحانه. فالنقص الموجود في المرأة هو كالنقص المقابل في الرجل، ليس نقصاً مطلقاً وإنما هو نقص تكامل لا بد منه لتلاقي (مسننات)الجنسينوتعشقهما ببعضهما: بروز في جهة يقابله تجويف في الجهة الأخرى. فمن فهم هذه الطبيعة، وفهم الغاية منها لم ير في نفسه فضلاً في المنزلة، وإنما تفاوتاً في الوظيفة لتستمر منظومة الأسرة كأي منظومة أُخرى في المجتمع: لا بد فيها من تراتب وظيفي كي يعتدل مسارها باتجاه تحقيق غاياتها، وإلا فسدت المؤسسة وانتهى وجودها.

وكون المدير أعلى مرتبة في السلم الوظيفي لا يلزم منه أنه أفضل منزلة في السلم الإنساني من أي عضو في المؤسسة. فإذا توهم المدير ذلك حصل التعالي والاستبداد وانقلبت الدائرة إلى بيئة لا تطاق.

وهكذا البيت.

فغلبة العاطفة عند المرأة، التي تقابلها غلبة العقل عند الرجل، إذا كانت تعني نقصاً لديها في العقل، فإنها تعني في المقابل جفافاً في العاطفة لدى الرجل، وهو – بلا شك – نقص. لكن هذا النقص لا يظهر إلا إذا نظرنا للأمور منفصلة متناقضة، وذلك خروج عن (النظام الداخلي) لشركة الأسرة. أما إذا التزمنا بذلك النظام الرباني وجمعنا بين الطرفين في منظومة كان النقص كمالاً. وذلك عندما نفعّل قانون (التكامل) الكوني. وما دام الرجل والمرأة شريكين في مؤسسة واحدة فلتعطي المرأة من فضل عاطفتها لزوجها وأولادها، وليعط الرجل من فضل عقله لزوجه وأولاده. وهذا التعاطي المتبادل واجب لا منة فيه، وتكامل لا نقص فيه. وفي ضوء هذا البيان نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن) [وفي لفظ البخاري: (أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)] قالت: يا رسول الله! وما نقصان العقل والدين؟ قال: (أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل. فهذا نقصان العقل. وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان. فهذا نقصان الدين). متفق عليه.

 

المرأة بين الإدارة والقيادة

5. بالمقارنة بين الطرفين نلحظ أن دور الرجل في البيت أقرب إلى القيادة والتوجيه، بينما يكون دور المرأة أقرب إلى الإدارة والتنفيذ. ولا يمكن أن يتم عمل مشروع دون تكامل المنظومتين: القيادية والإدارية. فقيادة بلا إدارة تنظير يفتقر إلى أدوات التغيير، وإدارة بلا قيادة حركة فاقدة لبوصلة المسير، ومحرومة من عناصر النمو والتطوير. وكما أن منظومة الإدارة تبع لمنظومة القيادة، وهذا لا يضيرها ولا ينقص من قدرها، فكذلك المرأة تبع للرجل تبعية الإدارة للقيادة، ولا ضير في ذلك ولا نقص فيه يلحق بالمرأة. وأصل الخلقة يعبر عن هذه المعادلة فالضلع جزء تابع للجسد متعلق به، والمرأة في طبيعتها تتعلق بالرجل وتتبعه. ويمكن للمرأة أن تمارس الإبداع والقيادة في الإدارة، ولا مانع من أن تمارس القيادة المطلقة متى ما أثبتت قدرتها على القيادة وكانت جديرة بها من خلال شواهد الواقع. ولهذا فنحن نطمح إلى أن تؤدي المرأة واجبها – وكذلك الرجل - في إطار (قيادة التغيير) لا (إدارة التغيير) فحسب. ومعنى إدارة التغيير تنفيذ البرنامج المرسوم كما هو. أما قيادة التغيير فتعني التدخل في تغيير البرنامج لصالح الهدف العام كلما استدعت الحاجة، والتفكير الدائم في تطويره والعمل على ذلك طبقاً لقاعدة (الخروج على النظام من أجل النظام نظام).

 

كثير من النساء خير من كثير من الرجال

6. هذا من حيث الجنس عامة. أما من حيث الأفراد خاصة، فكثير من النساء خير من كثير من الرجال عقلاً وحكمة وفعلاً وأداءً. وهل يقاس ببلقيس معظم حكام زماننا! انظر كيف نظرت وانتظرت وتأنت وتأملت في رسالة سليمان عليه السلام وتهديده ووعيده، واستشارت قوادها، ولم يستفزها قولهم: (نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) (النمل:33) كما استفز بعض الحكام فـ(بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار). ولو كان في بلدنا حاكم كبلقيس رضي الله عنها في عقلها وحكمتها وفي دهائها وسياستها ما غزينا في عقر دارنا. وكم من الرجال كخديجة أو كمريم وآسية رضي الله عنهن جميعاً، وكم من النساء اليوم في عصمة رجال دونهن مرتبة في العقل نفسه قبل غيره!

وأجد في ظاهر قوله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) (آل عمران:36) سنداً لما أقول من حيث أن المشبه به – في اللغة – أقوى من المشبه؛ لهذا توقف علماء التفسير عندها كثيراً. وأنا أثبت هنا ما أميل إليه مما قالوه، وأفرع عنه فأقول: إن معنى الآية: ليس الذكر الذي طلبتِه ليس في فضله كالأنثى الذي وهبتها لك. كنت تريدينه عابداً يخدم في المسجد وحسب. لكن هذه الأنثى سيكون لها شأن عظيم فوق ما تتصورين وغير ما كنت تطلبين.

وهذا يعني أن التفاضل بين الذكر والأنثى ليس بالجنس، وإنما بالعمل. فقد تكون الأنثى أفضل، وقد يكون الذكر أفضل. فالأفضلية ليست للجنس ولا للذكر مطلقاً.

 

سحر الكلمة وسر الاستقرار العائلي

7. هنا يأتي بيان سر عظيم من أسرار الاستقرار العائلي. فبما أن المرأة ذات طبيعة عاطفية فمن العبث حل المشاكل معها بما يخالف طبيعتها. فليس من العقل اللجوء إلى العقل كأساس للحل في المشاكل الزوجية. ولهذا تجد النقاش والحجج المنطقية – متى ما طغت على أجواء الخلاف الزوجي - أخطر عامل من عوامل خراب البيوت. وخير من ذلك استعمال شيء بسيط الكلفة عظيم الثمرة، هو أرخص شيء في الثمن المبذول لكنه أغلى ما يكون في الناتج المحصول.. الكلمة! الكلمة أنجع مرهم للجرح، وأثمن جوهرة في عين المرأة. استعملها موشاة بالعاطفة النبيلة واللفظة الجميلة ترَ العجب. فلم أجد كالكلمة شيئاً بالمجّان تشتريه المرأة بأغلى الأثمان! بل تبقى الكلمة فاعلة حتى مع الرجال؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الكلمة الطيبة صدقة)، بل قال الله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة:83)([1]).

 


[1]- قال أحد القراء معلقاً على الموضوع من فقرة (3-7) وقد نشرته في مقال على موقع (القادسية): رغم كل الذي تعلمناه عن علاقة الرجل بالمرأة فإن مقالتك هذه قد أغنتنا عن قراءة العديد من الكتب التي تعالج هذا الموضوع. لقد أعدت قراءتها مرات عديدة كي أستمتع بهذه الكلمات. وانا أقرأ تأملت مع نفسي وراجعت علاقتي بزوجتي فوجدتها ضرباً من ضروب الجاهلية أو أشد. كم نحن في حاجة إذن لإصلاح علاقتنا مع أزواجنا! إن عدم فهم طبيعة المرأة يؤدي - بطبيعة الحال - إلى تفكك الأُسرة التي بتفككها تزود المجتمع بأفراد غير صالحين، فتعم الفوضى في المجتمع. ويبدو أن هذا هو جزء مهم من مشاكلنا التي نعاني منها.

أكتب تعليق (0 تعليقات)

2. المرأة في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم

 

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة)([1]). وفيه التنبيه على منزلة المرأة وحضورها الكبير في حياة الرجل. وأن العلاقة بينهما علاقة حب بلغ من رقيه ورقته ما يذكر بالطيب! ولا يخفى على الفهم الدقيق والذوق الرفيع ما بين الاثنين: المرأة والطيب من تلازم.

 

أمنا خديجة رضي الله عنها : الاستقلالية والشخصية والرأي السديد

كان حضور أمنا خديجة رضي الله عنها بارزاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وتأسيس دولة الإسلام منذ أن بادرت هي فعرضت نفسها عليه كزوجة بواسطة صديقتها نفيسةبنت أُمية فذهبت هذه إليه وكلمته فقالت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به. قالت: فإن كفيت ودعيت الى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟قال: فمنهي؟ قالت: خديجة.قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: عليّ. قال: فأنا أفعل.

وفي هذا درس بليغ في استقلالية المرأة، وقوة شخصيتها، واحترام رأيها، وبطلان الحجر عليها في اختيار شريكها، ومعاملتها من قبل معظم المجتمعات الإسلامية اليوم كشخص ناقص الأهلية في نفسها ومالها.

كان عمر أمنا خديجة يوم تزوجت بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أربعين عاماً، أي يزيد عمرها على عمره خمسة عشر عاماً..! وهذا أمر يستحق التوقف؛ فثقافتنا اليوم تبخس المرأة من جانب العمر بحيث لا تكاد تعثر على زيجة تكون المرأة فيها أكبر من الرجل ولو بعام واحد. وقليلاً ما تجد الزوجين متساويين أو متدانيين في السن. لكن لا بأس أن يكبر الرجل المرأة وإن كان فرق العمر بينهما شاسعاً. بل المرأة التي تبلغ من العمرما بلغته السيدة خديجة عند زواجها من النبي، إذا تأيمت: ترملت أو طلقت اعتبرت في كثير من مجتمعاتنا اليوم في حكم منتهية الصلاحية بالنسبة للزواج، وليس من المقبول اجتماعياً، ولا لها الحق في أن تفكر في هذه الحالة بغير الأولاد وحسن الخاتمة. وإذا طلبت الزواج فكأنها أرادت منكراً. وإذا تجرأت فتزوجت ينظر إليها نظرة ازدراء حتى من قبل النساء الأُخريات لاسيماممن هن في عمرها: إما بحكم الثقافة المتخلفة، أو بحكم الحسد، أو الشعور بالنقص تجاهها.

هذا وفي الوقت نفسه يتم التركيز على زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة رضي الله عنها مع التأكيد على فارق العمر بينهما، والاستغراق في ذلك حتى إن بعض الروايات لتصورها على أنها طفلة، مع أنها كانت مخطوبة لجبير بن مطعم. والطفلة لا تخطب البتة، بل لا أحد يلتفت إليها، ولا يريدها بحكم الفطرة([2]).

وفي هذا الزواج المبارك شاهد لاستقلالية المرأة، لا سيما الثيب الرشيدة، في اختيار زوجها، وشرعية سعي المرأة للاقتران بمن تراه أهلاً لها. كما أنه يشير إلى أن المرأة كان لها في المجتمع القريشي الجاهلي شأن أعلى من شأنها اليوم في بعض الأوساط العربية والإسلامية. التي تحجر على المرأة في اختيارها لزوجها، وتزدري رغبتها في الزواج، وتنكر، أو تستنكر، حاجتها إليه.

إننا نربأ بأنفسنا عن هذه الثقافة المخالفة للشرع والرقي الإنساني، ولا يصلح في مشروعنا من لم ينخلع عن رواسبها، ويسعى في علاجها وإصلاحها.

ثم انظروا إلى كمال عقل أمنا خديجة رضي الله عنها كيف استدلت على نبوته e بأمرين: سيرته العطرة وقرائن الحدث. وإذا كان الصديق آمن بالنبي دون تردد، فإن خديجة آمنت بنبوته والنبي صلى الله عليه وسلم ما زال متشككاً فيها فقالت له: (كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقاله له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله به على موسى). رواه البخاري.

ثم نصرته بمالها ونفسها وهيأت له البيت الهادئ الملائم لحامل قضية، ولذلك أكرمها الله تعالى وجازاها من جنس عملها؛ فقدروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت، معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب). لأن البيت الذي هيأته له كان خالياً من الصخب سواء منها أو من أطفالها، وبعيداً عن النصب أو التعب فقد كانت رضي الله عنها حريصة على إسعاده وعدم إيذائه أو إرهاقه بشيء. وتأمل حبه صلى الله عليه وسلم ومدى وفائه لها؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: (اللهم هالة). رواه البخاري. هل تأملت كيف استفزت مشاعر النبي حين سمع صوتاً يشبه صوت خديجة (فارتاع)، انظر إلى هذه الكلمة المشحونة بالحب والحنين والوفاء وجيشان العاطفة واستفزازها: (فارتاع)!

وكانت علاقة النبي بخديجة مثالاً عالياً لوفاء الزوج لزوجته، حتى إنه كان يكرم – بعد موتها – صديقاتها إكراماً لها. يروي الشيخان عن عائشة. قالت: ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة. وإني لم أدركها. قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة". (وفي لفظ: ثم يُهديها إلى خلائلها) قالت: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني قد رزقت حبها".

وظل النبي يذكرها إلى آخر يوم في حياته: (آمنت بي اذ كفر الناس وصدقتني اذ كذبني الناس وواستني بما لها اذ حرمني الناس ورزقني الله ولدها اذ حرمني أولاد النساء) رواه أحمد عن عائشة.

 

المعاملة الزوجية الراقية

هذا وكانت معاملة النبي لنسائه في غاية السمو والرفعة والاحترام، وسيرته شاهدة بذلك. يكفي في تصور ذلك قول أم المؤمنين عَائِشَةَ رضي الله عنها: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأةً ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه. إلا أن يُنتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل) رواه مسلم.

وفي حديث الأفك شاهد عظيم آخر، فقد اتهمت عائشة من قبل المنافقين ومن سمع لهم من المؤمنين، وكثر القيل والقال، فكان تصرف النبي صلى الله عليه وسلم سامياً حكيماً. احترم مشاعر زوجته فلم يواجهها بالتهمة قط، إنما سأل وتبين فلم يثبت له شيء. حتى نزلت براءتها من السماء. وتنظر إلى الواقع فتقول: كم من البريئات قتلن بسبب قالة أو شائعة بذريعة ظالمة مخترعة اسمها (غسل العار). أي غسل العار عن الغير من الأهل والعشيرة، أما المرأة فكأنها لا وجود لها ولا اعتبار، فتدفع حياتها ثمناً لغيرها.

 

أم سلمة رضي الله عنها .. وشورى النساء في الإسلام

كان صلى الله عليه وسلم يستشير نساءه في أمور تطيش عندها أحلام الرجال! ففي صلح الحديبية يكون النبي في وضع حرج يقول لأصحابه، كما روى الإمام أحمد بسنده عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما: (يا أيها الناس انحروا واحلقوا)، فما قام أحد. ثم عاد بمثلها، فما قام رجل حتى عاد بمثلها، فما قام رجل. فماذا فعل؟ ومن استشار؟ دخل على أم سلمة فقال: (يا أم سلمة! ما شأن الناس)؟ قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره، واحلق فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون. قال العلماء: وفي ذلك دليل على استحسان مشاورة المرأة الفاضلة مادامت ذات فكر صائب ورأي سديد، كما أنه لا فرق في الإسلام بين أن تأتي المشورة من رجل أو امرأة، طالما أنها مشورة صائبة.

 

حضور المرأة أخطر اجتماع في تاريخ الإسلام

من المواقف التي تشكل معلماً بارزاً من معالم تقدير الإسلام لدور المرأة، حضور امرأتين، هما أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية، وأم منيع أسماء بنت عمرو رضي الله عنهما، أخطر اجتماع في تاريخ تأسيس الدولة الإسلامية وهو بيعة العقبة الثانية، الذي شدد النبي صلى الله عليه وسلم غاية التشدد في إحاطته بالسرية. ناهيك عن مشاركة المرأة في حروب النبي صلى الله عليه وسلم مقاتلة وممرضة ومطعمة وساقية.

 

الحجاب أم العزل .. إذا أُمنت الفتنة ؟

ورد في السنة النبوية من رواية الشيخين عن سهل بن سعد الساعدي قال: (لما عرس أبو أسيد (مالك بن ربيعة) الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فما صنع لهم طعاماً ولا قربه إليهم إلا امرأته أم أسيد، بلّت تمرات في تَور (إناء) من حجارة من الليل، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من الطعام أماثته له فسقته، تتحفه بذلك. فكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس). وتنظر إلى بعض المجتمعات فتجد العزل الكامل بين الرجال والنساء؛ حتى لكأن الناس لا يظنون ببعضهم إلا السوء. وحتى كأن الرجل لا يرى من المرأة إلا أنوثتها، ولا المرأة من الرجل إلا ذكورته!

إن هناك فرقاً بين السفور المنهي عنه وبين الاختلاط المسؤول أو المحسوب مع ارتداء الحجاب الشرعي وخارج نطاق الخلوة، لا سيما بين الأقارب والأصدقاء. كما نرى أن هناك فرقاً بين الحجاب والعزل التام. فوجوب الحجاب لا يلزم منه العزل ما دامت الخلوة منتفية. وقد تمعنت في أدلة القائلين بالعزل المطلق فوجدتها خارج نطاق الشروط التي ذكرناها للقاء المشترك.وما يدّعىمن نسخحديثأبي أسيد فلا يتم إلا بتكلف ظاهر. سيما وأن الحجاب شيء والعزل شيء آخر. فلا حاجة لاستنزاف الجهد في محاولة إثبات وقوعه قبل تشريع الحجاب.

وفي الصحيحين وغيرهما: عن عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل ابن بعكك، رجل من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح، فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي([3]).

على أننا لا نرى جواز اختلاط الذكور والإناث في المدارس – مثلاً – على اختلاف مستوياتها، وفي عامة الدوائر، إلا لضرورة تقدر بقدرها.

ولا يسعنا الخوض في هذا الموضوع بأكثر مما قدمنا؛ لأن صفة المنهجية تستلزم الابتعاد عن الخوض في الفروع قدر الإمكان، إلا بما لا يتعارض مع المنهجية، لا سيما الفرعيات التي يشتد فيها الخلاف.

 


[1]- أخرجه أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة. وصححه الألباني في(صحيح الجامع). ويروى بزياد (ثلاث)، وهي لا تصح.

[2]- رجحت الباحثة والمؤرخة السعودية الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد أن يكون عمر السيدة عائشة يوم زواجها (19) عشر عاماً. ورجح الدكتور محمد راتب النابلسي أن عمرها بين (23-28) عاماً. انظر الرابط: http://nabulsi.com/blue/ar/artp.php?art=5934.

[3]- قال الشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة (6/221): فما رأي المتحمسين للقول بأن المرأة كلها عورة دون استثناء في هذا الحديث الصحيح، وما ذكره الحافظ من الفائدة؟! لعلهم يقولون، كما هي عادتهم في مثل هذا النص الصريح: كان ذلك قبل نزول آية الحجاب! فنجيبهم: رويدكم! فقد كان ذلك بحجة الوداع كما في (الصحيحين) فهل من مدكر؟

أكتب تعليق (0 تعليقات)

قانون التفاضل الاجتماعي

 

 

(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف:31،32).

هكذا تكلم – جلّ في علاه - ربنا!

إن قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) يكشف لنا عن قانون اجتماعي وضعه الله بين خلقه لتستمر حركة الحياة القائمة على تنوعِ الوظائف الاجتماعية التي لا تتحرك عجلة الحياة بدونها، واختلافِ درجاتها. وهذا التنوع في الوظائف والاختلاف في الدرجات اقتضى منهم تفاوتاً في القدرات والقابليات والصفات.

وباستحضار هذه الحقيقة نفهم أن (الدرجات) في قوله سبحانه: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) إنما هي درجات في سلّم الوظيفة الاجتماعية لا درجات في سلّم الكرامة الإنسانية، التي حدد الله درجاته بالتقوى، فكانت هي المقياس، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13). وهذا المقياس يشمل الرجل والمرأة – كما نطقت به الآية - على حد سواء؛ فكما أن المجال مفتوح أمام الرجل فهو كذلك أمام المرأة لتكون أكرم بالتقوى. ولأن التقوى - التي هي مقياس الكرامة - مسألة قلبية لا يمكن قياسها مادياً، ولا يَطَّلع على حقيقتها غير الله تعالى؛ إذن يبقى الحكم في الدنيا لمن هو أكرم متساوياً في عمومه بين الخلق رجالاً ونساءً؛ كما قال تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم:32).

إذن الرجل والمرأة متساويان في أصل الكرامة والحقيقة الإنسانية.

وقد أفصح القرآن الكريم عن علة هذا التفاوت الاجتماعي فقال: (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا). فلو كان الناس سواء في كل شيء لما تمكن أحد من تسخير أحد لمنفعته فتوقفت حركة الحياة. إذن هذا التفاوت الاجتماعي سنة من السنن الكونية استدعتها ضرورات استمرارية حركة الحياة لا علاقة لها بتفاوت البشر في كرامتهم وإنسانيتهم. وهذا التفاوت الوظيفي موجود بين الرجال أنفسهم، وكذلك النساء فيما بينهن، وليس بين الرجال من جهة مقابل النساء من جهة ثانية؛ فلا يلزم من هذا التفاضل الشامل تفاضل البشر في الإنسانية؛ وإلا كانت كرامة الإنسان تقاس بوظيفته وماله وجاهه، فمن اضطرته الحياة إلى ممارسة عمل متواضع، أو قل ماله وضؤل جاهه كان وضيعاً ينظر إليه باستصغار. كيف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)!

وتأمل كيف جاء هذا التفاضل في سياق الإنكار على من قال: (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) وما في قوله من تعالٍ على الآخرين وازدراء لهم نتيجة فقرهم في المال والمنصب الاجتماعي، وهو موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يعقل أن يبعثه الله نبياً وليس هو من عظماء القريتين جاهاً ومالاً ومنصباً؟! قال الشوكاني في (فتح القدير): وظاهر النظم أن المراد رجل من إحدى القريتين عظيم الجاه واسع المال مسود في قومه والمعنى: أنه لو كان قرآنا لنزل على رجل عظيم من عظماء القريتين.

وقال تعالى في موضع آخر ألصق بموضوع المرأة: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (النساء:32). قال ابن كثير في (التفسير) أي في الأمور الدنيوية وكذا الدينية أيضاً.. وهكذا قال عطاء بن أبي رباح: نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكن رجالاً فيغزون، رواه ابن جرير.إ.هـ. وقال سيد قطب في (الظلال): "والنص عام في النهي عن تمني ما فضل اللّه بعض المؤمنين على بعض.. من أي أنواع التفضيل، في الوظيفة والمكانة، وفي الاستعدادات والمواهب، وفي المال والمتاع.. وفي كل ما تتفاوت فيه الأنصبة في هذه الحياة.. والتوجه بالطلب إلى اللّه، وسؤاله من فضله مباشرة بدلاً من إضاعة النفس حسرات في التطلع إلى التفاوت، وبدلاً من المشاعر المصاحبة لهذا التطلع من حسد وحقد ومن حنق كذلك ونقمة، أو من شعور بالضياع والحرمان، والتهاوي والتهافت أمام هذا الشعور". وقال: إن المنهج الإسلامي يتبع الفطرة في تقسيم الوظائف وتقسيم الأنصبة بين الرجال والنساء. والفطرة ابتداءً جعلت الرجل رجلاً والمرأة امرأة وأودعت كلاً منهما خصائصه المميزة لتنوط بكل منهما وظائف معينة.. لا لحسابه الخاص، ولا لحساب جنس منهما بذاته. ولكن لحساب هذه الحياة الإنسانية التي تقوم، وتنتظم، وتستوفي خصائصها، وتحقق غايتها - من الخلافة في الأرض وعبادة اللّه بهذه الخلافة - عن طريق هذا التنوع بين الجنسين، والتنوع في الخصائص والتنوع في الوظائف. وعن طريق تنوع الخصائص، وتنوع الوظائف، ينشأ تنوع التكاليف، وتنوع الأنصبة، وتنوع المراكز.. لحساب تلك الشركة الكبرى والمؤسسة العظمى.. المسماة بالحياة. إ.هـ.

 

فهوم سقيمة لنصوص مجملة قديمة

إن أحد أسباب هذا التمييز الظالم بين الرجل والمرأة ذلك الفهم الخاطئ لبعض الآيات والأحاديث والفتاوى والتفاسير، خصوصاً القديمة منها لإجمالها وتجنبها الغوص في أعماق النص لإزالة إشكالاته، واكتفائها بإيراد الشاهد عادة. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وللرجال عليهن درجة) (البقرة:228): أي في الفضيلة في الخَلق والخُلق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والاَخرة. وقال الشوكاني في (فتح القدير): أي منزلة ليست لهن، وهي قيامه عليها في الإنفاق، وكونه من أهل الجهاد والعقل والقوة، وله من الميراث أكثر مما لها، وكونه يجب عليها امتثال أمره والوقوف عند رضاه. إ.هـ.

إن هذا التفسير المختصر يلقي ظلالاً من التصورات تنمو تحتها بعض الفهوم الخاطئة. التي تحتاج إلى شيء من التدبر والتعمق لنصل إلى أن هذه الدرجة درجة وظيفة جاءت من كون الرجل أولى بقيادة البيت، وفرض القتال عليه، وإعطائه ضعف الميراث وما شابهه من أمر يتفاوت فيها الطرفان لا بسبب تفاوتهم بالدرجة الإنسانية وإنما بالدرجة الاجتماعية في مؤسسة الأسرة وقيادة المجتمع. كدرجة الرئيس على الوزير، ودرجة الوزير على المدير، ودرجة الأخير على الأجير. وقد يكون الأجير خيراً من الوزير مع أن للوزير عليه درجة ولكن في سلم التباين الاجتماعي لا في سلّم التراتب الإنساني([1]).

هكذا نفهم التفاوت بين الرجل والمرأة في بعض الجوانب.. تفاوت درجة اجتماعية لا تفاوت درجة إنسانية، تحتقر فيه المرأة وتبخَّس وتظلم حتى ينتقل هذا التبخيس إلى قناعة بعض النساء فـ(تجتافه) وتنظر إلى نفسها أنها كذلك، وما هي بذلك.

 


[1]- زيادة في الاستيضاح يمكن الرجوع إلى أول الكتاب، موضوع (المرأة في القرآن الكريم).

أكتب تعليق (0 تعليقات)

أصل واحد

وطبيعة متجانسة

 

 

يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء:1).

المرأة والرجل إذن جنس واحد وكينونة واحدة، بعضها من بعض؛ كما قال سبحانه في آية أُخرى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران:195)، لا ميزة لأحدهما على الآخر، إلا في مسائل اقتضتها خصوصية الوظيفة هي للتكامل أقرب منها للتمايز. فتفاوت الخلق في الإمكانية لا يعني تفاضلهم في الإنسانية. والرجل والمرأة في الإنسانية سواء وإن تفاوتوا فيما دون ذلك؛ والبيت سكن ودعة لا ساحة نزال أو حلبة مصارعة!

أما الفارق المشاهد ففي الاستعداد والوظيفة - كما يقول سيد قطب - لا في الأصل والفطرة. ويضيف: إنها إنسان خلقت لإنسان، ونفس خلقت لنفس، وشطر مكمل لشطر. وإن الرجل والمرأة ليسا فردين متماثلين، إنما هما زوجان متكاملان. شاء الله أن يجعلهما شطرين للنفس الواحدة.. وأراد بالتقاء شطري النفس الواحدة - بعد ذلك - فيما أراد، أن يكون هذا اللقاء سكناً للنفس، وهدوءاً للعصب، وطمأنينة للروح، وراحة للجسد.. ثم ستراً وإحصاناً وصيانة.. ثم مزرعة للنسل وامتداد الحياة، مع ترقيها المستمر، في رعاية المحضن الساكن الهادئ المطمئن المستور المصون.

ومن تساوي شطري النفس الواحدة في موقفهما من اللّه، ومن تكريمه للإنسان، كان ذلك التكريم للمرأة، وتلك المساواة في حقوق الأجر والثواب عند اللّه، وفي حقوق التملك والإرث، وفي استقلال الشخصية المدنية.. ومن أهمية التقاء شطري النفس الواحدة، لإنشاء مؤسسة الأسرة، ومن ضخامة تبعة هذه المؤسسة أولاً في توفير السكن والطمأنينة والستر والإحصان للنفس بشطريها، وثانيا: في إمداد المجتمع الإنساني بعوامل الامتداد والترقي كانت تلك التنظيمات الدقيقة المحكمة التي تتناول كل جزئية من شؤون هذه المؤسسة. إ.هـ ملخصاً.

 

 

قانون الزوجية الكوني

 

سميت العلاقة بين الجنسين في أرقى صورها بـ(الزوجية)، فالرجل زوج المرأة. وهي زوجه أيضاً (بالتذكير وليس بالتأنيث فقط). وبهذا البناء الحرفي جاء التعبير القرآني عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) (الأحزاب:59).

 

حين تكون المرأة زوجة .. لا أنثى فقط

لم يطلق هذا اللفظ الرفيع (الزوج) في كلام الله تعالى إلا على (امرأة ارتبطت مع رجل بعلاقة زوجية رفيعة، تحقق المقاصد الشرعية بحيث يحصل التوافق بين هذه العلاقة الرابطة وبين الشرع). ولم يسمّ القرآن - ولا في موضع واحد منه - زوجةً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بـ(امرأته) قط؛ ولهذا سر لطيف. ذلك أن لفظ (المرأة) يعبر عن الأنوثة وما تعلق بها دون أي معنى زائد آخر، بينما لفظ (الزوج) أو (الزوجة) يعبر عن التشابه والانسجام أكثر من أي معنى آخر. ومن هنا أُطلق لفظ (الزوج) – بالتذكير - في لغة العرب على الذكر والأنثى كليهما، ولم يقصر على الذكر فقط. بينما يطلق لفظ (المرأة) في لغة العرب على الأنثى فقط، وفي لغة القرآن إذا كان المراد منه المرأة من حيث أنها أنثى تقوم بوظيفة أنثوية. لهذا لم يسمّ القرآن امرأة أبي لهب (زوجة)، ولا امرأة فرعون أو امرأة نوح أو امرأة لوط كذلك؛ لأن أبا لهب وامرأته لم يكن بينهما رباط إيماني يحقق مقاصد الشرع ويمنح التشابه معناه الحقيقي. وامرأة فرعون المؤمنة لم يكن بينها وبين فرعون الكافر انسجام أو تشابه حقيقي يعكس معنى الزوجية. وكذلك امرأة نوح وامرأة لوط.

ويأتي التعبير القرآني عن الزوجة الحقيقية بلفظ (المرأة) إذا كان الحديث عنها قد تعلق بها من حيثياتها الأنثوية البحتة. ومن هنا ندرك كم كان القرآن دقيقاً حين قال في معرض الحديث عن إبراهيم وزوجته سارة: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (هود:71). وقال: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) (الذريات:29)؛ إذالمقام مقام حديث عن الحمل والولادة، وامرأة عاقر تحمل. وهذا كله يتعلق بالأنوثة البحتة، دون شرط الزوجية والانسجام.

 

سر ( الزوجية ) العجيب

وفي هذا الفرق سر بديع. فإن لفظ (الزوج) في لغة العرب يطلق على الشبيه. ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) (التكوير:7) قال ابن كثير في (تفسيره): قال ابن أبي حاتم: (بسنده) عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وإذا النفوس زوجت) قال: الضُّرَباء: كل رجل من كل قوم كانوا يعملون عمله. والضرباء هم الأشباه والنظراء([1]). وقال أيضاً: عن ابن عباس في قوله تعالى: (وإذا النفوس زوجت) قال: ذلك حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة... وعن مجاهد: (وإذا النفوس زوجت) قال: الأمثال من الناس جمع بينهم.إ.هـ.

إن هذا التشابه والتجانس - سواء في الدين والخلق، أم الفكر والهم، أم المشاعر والأحاسيس، وغيرها من أوجه التشابه والتجانس والتقارب - هو سر المودة والرحمة المتبادلة بين الزوجين، وأساس السكون والدعة التي تظلل بيت الزوجية، ومن دونه لا تحصل الطمأنينة، ولا يتم الاستقرار، ولا ترفرف السعادة بأجنحتها الزاهية فوق ذلك البيت؛ استمع إليه تعالى كيف يقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21). هل تأملت؟ أزواج أي أشباه، ومن جنس وأصل واحد (من أنفسكم).

عندما تفقد العلاقة خاصية (الزوجية ) الحقيقية - وهي التشابه والتجانس - تبتعد الأشياء عن بعضها، وتتنافر في ودها، وتعيش حالة من الشعور المعنوي بالبرد لهذا الابتعاد؛ فإذا هي تحاول الاقتراب من بعضها لتسترد الدفء المفقود، وتستشعر أثره الذي يسري في الروح والعقل والفكر، وفي اللحم والدم والعصب. فالدفء كما هو حالة مادية، هو أحاسيس روحية قد يستشعرها المرء – حين يعثر على نظيره - وهو في أجواء الصقيع، وقد يرتجف من البرد وهو بين أهله ومعارفه. أولئك الذين فقدوا طاقة الإشعاع النابعة من التشابه والزوجية الحقيقية!

الشبيه هو من يبحث عنه المرء طيلة حياته: فإن كان من جنسه كان صفيه وصديقه، وإن كان من الجنس الآخر كان حبيبه وخليله، الذي يتمنى أن يبعث في شرايينه كل نبض في دمه، بل يتبادل معه القلب والنبض والدم والشرايين. فلا يترك مساحة في كيانه إلا أنقذها من ذلك الشحوب الذي يذكر بالبرد والثلج والصقيع.

وسبحان من جعل الرجل يلوب وتظل المرأة كذلك حتى تعثر على شبهها وزوجها. عندها تَقَر وتستقر لأنها وجدت من يشبهها ويزدوجها.. من يتكامل معها كما يتكامل شطر السّلم الجيني بالتلقيح مع شطره الآخر لتتسلق البويضة، التي التقى فيها الشطران وتطابقا في لقائهما، ذلك السلم المزدوج الجميل، وتخرج من ظلمة العدم والرحم إلى نور الوجود وفضائه الواسع البهيج.

 

الزوجية الاجتماعية

إذا خرجنا من دائرة الأسرة إلى محيط المجتمع، وتوسعنا في معنى (الزوجية) طبقاً لمعناها اللغوي، وفي ضوء ما ورد من تفسير شمولي، نجد أن هذه العلاقة يمكنها إحداث أكبر الأثر في الاستقرار والتنمية الاجتماعية، بشرط واحد هو أن تسلك الطاقات والقوى في سلك قانون (التكامل) الكوني، الذي سيأتي الحديث عنه لاحقاً بإذن الله. فاختلاف الناس في طاقاتهم وقواهم وصفاتهم، الأصل فيه أنه اختلاف تنوع: تتكامل وتتساند فيه جميعاً من أجل شد أفراد المجتمع ومؤسساته بعضها ببعض؛ لأن الحاجة وضعها الله تعالى في جانب لحكمة هي تكاملها مع الطاقة الموجودة في جانب آخر. وعند النظر إلى الصورة بكل أبعادها وأجزائها نرى أنها كـ(مسننات) نقل الحركة لا بد أن يكون فيها بروز (طاقة) وفجوة (حاجة) يتبادلان المواقع بينهما بحيث يكون في مقابل كل بروز في جهة فجوة في الجهة المقابلة. والتكامل هو الذي يُظهر ما في الجانبين أو الجهتين من قوة ونتائج مذهلة، فلا يبقى للحاجة وجود بالمعنى الملموس للحاجة قط. وإلا كان هذا الكيان النابض بالحياة المليء بالحركة جثة هامدة، بل متفسخة. فالبروز طاقة معطلة ما لم يزدوج ويتكامل بما يقابله من فجوة، التي هي – في حقيقته – طاقة كامنة لا تظهر إلا بالتكامل. والتكامل مظهر من مظاهر الزوجية في معناها الواسع الجميل.

عجباً لقانون (الزوجية) كيف يحل لنا كل ألغاز القلق والحزن والنفور في هذا الوجود المعمور! وهو من مصاديق قوله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (الذاريات:49). وقوله سبحانه: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) (يس:36).

 


[1]- قال ابن منظور في (لسان العرب): الضَّريبُ: الشَّكْلُ في القَدِّ والخَلْقِ. ويقال: فلانٌ ضَريبُ فلانٍ أَي نظيره، وضَريبُ الشيءِ مثلُه وشكله. ابن سيده: الضَّرْبُ الـمِثْل والشَّبيهُ، وجمعه ضُرُوبٌ. وهو الضَّريبُ، وجمعه ضُرَباء. وفي حديث ابن عبدالعزيز: إِذا ذَهَبَ هذا وضُرَباؤُه: هم الأَمْثالُ والنُّظَراء، واحدهم ضَريبٌ.

أكتب تعليق (1 تعليق)

قاعدة المقصود الأبعد

 

 

الحكم على الشيء بين التجريد والتجسيد

من عيوب العقل وقوعه في مطب التجريد، فينظر للحالة مجزوءة عن صورتها الكلية، كالذي ينظر لعين جميلة بمعزل عن الوجه الدميم الذي يحيط بها، فيحكم بالجمال لصالح صاحبها، وكالذي ينظر إلى حادث قتل بشع يقع أمامه فيحكم على القاتل بأنه ظالم، ولو اطلع على خلفية الحدث لربما كان الحكم على العكس من ذلك.

لا بد إذن من تجسيد عناصر المشهد كلها للخروج بنتيجة صحيحة. فالاقتصار على عنصر أو عنصرين مجانفة للمنهج العلمي للوصول إلى الحقيقة.

من عناصر التجسيد (المقصود الأبعد) أو النهائي لتكامل الأشياء وتفاضل الأشخاص. وهو الغاية التي من أجلها كان الشيء أو التصرف على الشكل الذي كان عليه، وفي حالة عدم استحضار ذلك المقصود تبدو الصورة مختلة.

لنأخذ على ذلك مثالاً واحداً؛ فقد روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يَقسم ذات يوم قَسْماً [وفي رواية: بعث علي رضي الله عنه، وهو باليمن، بذهبة في تربتها، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر] فقال ذو الخويصرة [رجل من بني تميم]: يا رسول الله اعدل، قال: (ويلك، من يعدل إذا لم أعدل)؟ وفي رواية: فغضبت قريش. فقالوا: أتعطي صناديد نجد وتدعنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم). فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد! قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن يطيع الله إن عصيته! أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني)؟

وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً فقلت: والله يا رسول الله! لَغير هؤلاء كان أحق به منهم. قال: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني؛ فلست بباخل).

حقيقة الحدث هكذا: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الأغنياء من رؤساء القبائل - منهم عيينة بن بدر الفزاري والأقرع بن حابس - بينما ترك فقراء أحق منهم بالعطاء. نظر إلى المشهد مجموعة من الحاضرين اتفقوا في أمر واحد وهو أن الأمر جرى على غير ما ينبغي عليه، واختلفوا في أدب التعامل مع المشهد: فمنهم من اعترض متهماً النبي بالجور في القسمة، ومنهم من غضب، وهو أهون، ومنهم من سأل ليفهم، وهو الأدب المشروع في مثل هذه الحالة.

والسبب في استشكال الأمر على الجهات الثلاث هو غياب (المقصود الأبعد) عن الشهود، الذي يضبط هذا التصرف الغريب فيجعله مشروعاً من جهة، ويصحح صورته في ذهن الرائي من جهة أُخرى. ولو كان ذلك المقصود حاضراً – وهو تألف أولئك الأغنياء، أو دفع تهمة البخل عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم، التي تصرف الناس عنه – لما.....

-     غضب من غضب (قريش)

-     واستفهم من استفهم (عمر بن الخطاب)

-     أما ذو الخويصرة فله شأن آخر؛ إذ اعتراضه ناشئ عن مرض قلبي لا إشكال فكري. على عكس الحالتين الأوليين فهما ضمن المدى المقبول على اختلافهما في الدرجة ما دام لا شك ولا اعتراض.

مع ملاحظة أن غضب قريش كان بحضور النبي صلى الله عليه وسلم فهو غضب عتب وتدلل ينتظر قرار النبي: أيمضيه فيغنموا أم يمنعه فيُسلِّموا. وهذا ممنوع بالنسبة لمن جاء بعدهم، إذ ليس لهم إلا الاستسلام، وإلا فالاستفهام كما فعل الفاروق عمر.

 

المقصود الأبعد الضابط للتفاوت بين الجنسين

خلق الله تعالى الرجل وهيأه لغاية غير الغاية التي خلق لأجلها المرأة.

وهذا يستلزم تفاوتاً في الخصائص والقوى تبعاً لتفاوت الغاية أو (المقصود الأبعد) للخلق. لقد خُلق الرجل ليكون عامةُ سعيه خارج البيت خدمة للأسرة والمجتمع؛ فهذا يلزم منه أن يكون أقوى في بدنه وأثبت في نفسه. فمَن للبيت تحقيقاً لبناء الأسرة؟ وهو (مقصود أبعد) آخر.

لا أحد غير المرأة. وهذا يلزم منه أن تكون أكثر لطفاً ورقة وأغنى عاطفة وأرهف شعوراً. كما يلزم منه أن تكون أكثر ملازمة للبيت من الرجل؛ فلو خرج الاثنان ضاع الأولاد وتفككت الأسرة.

انظر ماذا أصاب العالم المتمدن من نتائج كارثية على مستوى الفرد والأُسرة والمجتمع يوم نظر إلى قيمة المساواة بين الجنسين فقط غافلاً أو متغافلاً عن قاعدة (المقصود الأبعد) وهو بناء الأسرة – دعك من الخلط بين قيمتي المساواة والعدل - فأخرج المرأة من بيتها للعمل والكسب! والرجل في الوقت نفسه يخرج للعمل والكسب أيضاً؛ فمن للأطفال، فضلاً عن مطالب الأسرة الأُخرى؟ غاية ما فعله أن عوّض ذلك بمؤسسات رسمية تتولى رعاية الأطفال على يد موظفات ريثما تعود الأم من عملها! لكن هؤلاء الموظفات لا تجمعهن بالطفل رابطة أمومة؛ فلا عاطفة تشبع، ولا حنان يدفئ، ولا حب يمنح الثقة والاستقرار للنفوس الشاردة.

فكانت النتيجة أن ينشأ الطفل محروماً من حنان أمه ودفء حضنها وطعم صدرها؛ فيصاب بالأمراض والعلل النفسية زيادة على ما هي عليه حتى أمست ظاهرة اجتماعية في ذلك العالم. وكان الجفاف في العاطفة بين أفراد الأسرة، ثم ضَعْفُ الترابط والعلاقة الأبوية والأخوية الذي ينتهي بالتفكك الوشيك للأسرة، ويكون مصير الأم والأب عند المرض أو الشيخوخة تلك المؤسسات الرسمية الجافة الخالية من أي لمسة للحياة جزاءً وفاقاً.

وعند البحث عن المشكلة من جانبها الفكري أو أساسها النظري نجده في النظر إلى المرأة من ثقب (المساواة) القريب الخادع في غياب هذا (المقصود الأبعد) الضابط، وهو البناء السليم للأسرة. كما أن هذا النظر القاصر أنتج عند المتأثرين من المسلمين بالمدنية المعاصرة تلك النظرة المختلة لحرص الإسلام على قرار المرأة في بيتها، على عكس الرجل.

على أن هذا لا يلزم منه منع المرأة من العمل والخروج المطلوب بمستوياته الثلاثة: الواجب والمستحب والمباح، بشروطه الشرعية وآدابه المرعية فيما لو أرادت ذلك، كما لا يجوز الحجر عليها في البيت بحجة أن الله تعالى قال: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب:33). فالقرار في البيت لا يلزم منه عدم الخروج مطلقاً؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (قد أَذن الله لكُنَّ أن تَخرُجن لحَوائجِكنَّ) رواه البخاري. والحوائج كثيرة متنوعة؛ فكان من الصحابيات – مثلاً - من تخرج مع الجيش تقاتل وتمرِّض الجرحى وتسقي العطشى، وكان منهن من تتاجر. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: (وقرن في بيوتكن) أي: اقررن فيها، لأنه أسلم وأحفظ لكن. (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) أي: لا تكثرن الخروج متجملات أو متطيبات، كعادة أهل الجاهلية الأولى([1]).

وفي قوله تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) (القصص:23) أمران:

الأول: أن الأصل تواجد المرأة في بيتها؛ ولهذا قال نبينا موسى عليه السلام مستغرباً وجود المرأتين في ذلك المكان خارج البيت: (مَا خَطْبُكُمَا)؟ وكأنه سأل – من ضمن ما سأل - عن سبب خروجهما فبينتا له السبب وهي الحاجة، وذلك في قوله تعالى: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ).

والأمر الثاني: جواز خروج المرأة من بيتها للحاجة، ومزاولة كل ما لم يرد النهي عنه في الوحي من العمل، بشرطين:

1. الأول: عدم تفويت (المقصود الأبعد)، وهو بناء الأُسرة.

2. الثاني: التزام حدود الشرع والأدب، وإلى ذلك الإشارة في قوله تعالى: (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ)، فلم تختلطا بالرجال.

وعند النظر في هذا التشريع نجد أن (المقصود الأبعد) هو تأسيس أسرة سليمة متماسكة مستقرة، والحفاظ عليها كذلك، وحمايتها مما يناقض هذا المقصود. هذا هو الأساس وهو المنطلق وهو المقياس الذي نرد إليه كل نشاط للمرأة. وهذا يلزم منه أمران نفهمهما في ضوء قانوني (التكامل الكوني والتفاضل الاجتماعي):

الأول: للأسرة حاجة من داخلها وهي ملازمة المرأة بيتها إلا لحاجة، ومنها الفسحة الحلال في حدود الحشمة، وطلبُ العلم، وممارسةُ العمل المباح.

الثاني: للأسرة حاجة من خارجها لا يتم المقصود إلا بها وهي خروج الرجل للعمل والكسب. إضافة إلى حاجة المجتمع للرجل أكثر من حاجته للمرأة، مثل ممارسة النشاط السياسي والعسكري.

والبيت على صغره مؤسسة كاملة لا بد فيها من رئيس ومرؤوس. وقد اقتضت حكمة الخلق أن يكون الرجل هو الرئيس والقائد. وهذا - أي قيادة الرجل للبيت، وهو (مقصود أبعد) أيضاً - يلزم منه أن يكون الرجل ذا فضلة في عقله نسبة إلى المرأة، وإلا اضطرب أداء هذا الدور فاختلت المؤسسة. وهو تفاضل وظيفي لا تمايز إنساني؛ فلا يعني شرطاً أن الرجل أكرم من المرأة. إنما الكرامة الإنسانية بالتقوى وهما فيها على قدم المساواة من حيث الأصل. والتفاوت فيها مفتوح لكليهما بالتساوي والتكامل.

وفي غياب هذين البعدين: الأسرة والقيادة، لا يحتمل النظر القريب تفاضل الجنسين في موضوع العقل، ويبقى متحيراً بين صحة الحديث الوارد في ذلك وبين ما يبدو له من خلل بسبب نظره القريب.

 


[1]- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1420هـ - 2000 م.

أكتب تعليق (0 تعليقات)

قانون التكامل الكوني

 

 

عند التأمل في الكون نجده يعج بأشياء تبدو في الظاهر متناقضة: الليل والنهار، الحر والبرد، النار والماء، الغنى والفقر، العلو والسفل، الحركة والسكون، القوة والضعف، الشدة واللين... وهكذا. وعند التدبر والتعمق يظهر لك من بينها قانون يسلكها جميعاً يحيل تناقضها توافقاً ألا وهو قانون (التكامل الكوني)، حتى الصواب والخطأ، ضمن حدود معينة فيكون الخطأ جزءاً من معادلة الصواب، والمشكلة جزءاً من معادلة الحل. ولهذا كانت التجربة أم الخبرة، والتحدي مصنع الرجولة. وقد لاحظ الإمام الغزالي هذا القانون فقال: (نقص الكون هو عين كماله، كما أن اعوجاج القوس هو عين قوته، ولو استقام القوس ما رمى). وانظر كيف جعل القرآن العظيم السيئة بشروط معينة جزءاً من معادلة الحسنة فقال تعالى: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الفرقان:70)!

وهكذا العلاقة بين الرجل والمرأة.

روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً). وفي رواية أُخرى لهما واللفظ للبخاري: (المرأة كالضلع، إن أقمتها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج).

وفي لفظ لمسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع؛ لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج. وإن ذهبت تقيمها كسرتها. وكسرها طلاقها). قال العلماء: خلق الله تعالى حواء من آدم وأخرجها منه كما تخرج النخلة من النواة أو النبتة من البذرة. وإلى ذلك الإشارة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء:1). وبين أن علة هذا الترتيب في الخلق بعضاً من بعض هو السكن والألفة والشعور بالحاجة إلى القرب منها والالتصاق بها والاستقرار عندها فقال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) (الأعراف:189).

وما من شك في أن ابتداء خلق البشرية بهذه الطريقة فيه حكمة بالغة، لكن يبقى السر الكامل عند الله تعالى وحده، وإن كان من الممكن أن يتراءى لنا بالتأمل أطراف من حكمته، وظلال من أسراره، كما روي أن حكيماً سُـئـل: لمـاذا خلقــت حــواء مـن ضـلــع آدم ولم تخلق من موضع آخر؟ فأجاب: لـم تُخـلـق حـواء مـن رأس آدم لترأســــه. ولـم تُخـلـق مـن قـدمـه لتكون جاريـةً لــه. بـل خُلـقـت من ضـلعــه لتكـون بجانبــه، ومـن تـحت كتـفـه لتـكـون بحمــايتــه، ومـن جهــة قلبــه لتـكـون محبــوبتــه.

 

المرأة مخلوقة من ضلع الرجل .. لماذا ؟

من تجليات حكمة خلق المرأة من ضلع الرجل:

 

الضلع حنان وحماية

1. المرأة ضلع، والضلع حنان وحماية. وفي لغة العرب تسمى الأضلاع حنايا، وفي اللفظة ما يشي بظلال جميلة وعميقة للرحمة والعطف، والقوة أيضاً. فإن كان الرجل كلمة.. فالمرأة نبض، وتبادل الأدوار في بعض الأحايين ضرورة، ونقطة توسط تسمح للطرفين بالاغتراف مرة من هنا ومرة من هنا؛ كي لا يجمد الطبع أو تتبدل الفطرة. والتكامل أصل ينظم القوى المختلفة اختلاف تنوع ليمنعها من اختلاف التضاد. فيا نصفي الآخر تعالَ لنقول وننبض.. نقول وننبض.. و.. لنعمل أيضاً؛ فلدينا (قضية).. وبانتظارنا أمة.

 

عوج الضلع كمال

2. حين نفهم المشهد في ضوء قانون (التكامل) يكون عوج الضلع كمالاً يؤدي دوره من الناحيتين اللتين هما سر من أسرار البارئ في خلقه: الوظيفة والجمال. فلولا ذلك العوج الجميل ما تمكن القلب من النبض وأداء الوظيفة! ولكان تشوهاً في الخلقة تنبو عنه العين وتعافه النفس. قيل: إن غلاماً رأى الحداد يأخذ عيدان الحديد المستقيمة فيلويها ويُعْوِجها، فقال الولد لأبيه: لماذا لا يترك الحداد عيدان الحديد على استقامتها؟ فقال له الوالد: إن هذه العيدان لا تؤدي مهمتها إلا باعوجاجها. وتأمل - مثلاً - الخطَّاف وآلة جمع الثمار من الأشجار، لو كانت مستقيمة لما أدَّتْ مهمتها .

انظروا كيف تتكامل قوة الجسد عند الرجل مع ضعفها لدى المرأة؛ تحقيقاً لقيادة البيت؛ فلو ساوت المرأة الرجل في القوة لما تمكن الرجل من قيادة الأسرة وحمايتها؛ ففي لحظات الغضب وفوران العاطفة التي تتميز بها المرأة قد لا تملك نفسها من تسليط الأذى على الرجل. وعندها ستشهد الشوارع والمقاهي أفواجاً من المتسكعين، وتتضخم ملفات المحاكم بالشكاوى، وتزدحم بيوت الأقارب بالمطرودين، وردهات المشافي بالجرحى والمعاقين!

ومع الظلم الواقع على المرأة في الواقع المشهود نتيجة تفوق الرجل عليها في قوته، فما نلحظه من تلك النتائج المتوقعة أقل بكثير مما لو وسد الأمر للمرأة. والحياة قائمة على التوازن والترجيح، وليس على الخير والصواب المحض. وكل المطلوب تكامل قوة الرجل الجسدية مع ضعف المرأة برباط الاحترام والرحمة فتنقلب الأجواء الملبدة بغيوم الخلاف وغبار التعاسة إلى سماء جميلة صافية.

ومن شروط القيادة الناجحة تفوق القائد في سعة عقله والتريث في الاندفاع وراء عاطفته. وبما أن النظام الرباني جعل القيادة للرجل فقد وهبه الله سبحانه عناصرها بنسبة أكبر من المرأة، وإلا انتفى المقصود من النظام. لذلك قلل الخالق سبحانه من منسوب العاطفة عند الرجل وزادها لدى المرأة، وتعاكس الأمر بينهما في موضوع العقل. كما أن الرجال فيما بينهم يتفاوتون في مستوى العقلانية التي عليها كل واحد منهم. وليس هذا قادحاً في إنسانيتهم القائمة على قاعدة (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13). فدرجة المرء في الإنسانية على قدر درجته في الاتصاف بالكرامة، وهذه تقاس بالتقوى لا بالعقل. ومجال التقوى مفتوح للرجل والمرأة على حد سواء دون تمايز.

كان لهذا التفاوت أثره المطلوب في تأدية الوظائف الأُخرى من قبل الطرفين في نسق متكامل حكيم. وكمثال على ذلك نقول: لولا تفوق المرأة في عاطفتها ما تحملت تكاليف الحمل والرضاعة والعناية بالطفل. ولولا تفوق الرجل في عقله لما سلّمت المرأة له زمام القيادة، ولما تمكن من القيام بدوره المناط به في مجتمعه.

أما المشكلة فتأتي من النظر إلى الطرفين منفصلين. أو انفصالهما فعلاً عن بعضهما في الواقع. والأصل في النظر إليهما متصلين (التكامل).

 

الذكاء طاقة .. والعقل منظومة

لا بد هنا من ملاحظة أمرين مهمين:

أولهما: أن الذكاء طاقة بينما العقل منظومة لتوجيه الطاقة وتصريفها. والأصل اللغوي يفيدنا كثيراً في التفريق بينهما. فالذَّكاءُ: شدةُ وهَجِ النارِ... وذُكاءُ، بالضم: اسمُ الشمس. وبين (الذكاء) و(الزكاء) – ومن مشتقاته (التزكية) – علاقة بنائية ذات رابطة معنوية. فالزَّكاء هو: النَّماء والرَّيْعُ. والتزكية: التطهير([1]). أي الرعاية بالتنقية التي هي شرط التنمية. وهذا هو أس الذكاء الذي عليه يبنى، وروحه التي بها يتحرك ويكون مثمراً نافعاً، وسياجه الذي يحميه من الآفات. وإلا انقلب وبالاً على صاحبه. وفي الحكم: (فلان أوتي ذكاءً، ولم يؤتَ زكاءً).

والعقل: هو الحَجر والنُّهى، وهو ضد الحمق. والمَسك والحبس. والعقال: الرباط الذي يعقل به([2]). فالعقل هو المجال الذي يحتوي الذكاء أو الطاقة، ويمنعه من التفلت، وينقيه وينميه، ويجعل له مسلكاً أو منظومة يسري من خلالها إلى نهايته. وفي حالة ضعف المنظومة التي توجه الطاقة وتصرفها إلى نهاياتها بسلام تكون النتيجة ضعيفة. وكثير من الأذكياء يخونهم العقل، كما أن كثيراً من العقلاء يخونهم الذكاء.

والمرأة لا تقل ذكاء عن الرجل. لكن عاطفتها غالبة. وهذا الغلب يؤثر على متانة المنظومة فيتم تهريب كمية من الذكاء سدى فيحصل نقص في الطاقة يظهر على شكل نقص في أداء المنظومة ينعكس على المنظومة نفسها أي العقل. وقد يكون هذا أحد معاني قوله e: (النساء ناقصات عقل ودين)، رواه البخاري بلفظ مقارب([3]).

 

كثير من النساء أعقل من كثير من الرجال

والأمر الثاني: وهو أن هذه القاعدة (تفوق المرأة بالعاطفة، وتفوق الرجل بالعقل) تنطبق على النوع بعمومه وليس على الفرد بخصوصه. فكثير من النساء أعقل من كثير من الرجال. كما أن كثيراً من الرجال أشد عاطفة وخفة من كثير من النساء.

وإذن.. هذا الوصف من رسول الله ليس سُبَّة في حق النساء، ولا إنقاصاً من شأنهن؛ لأن هذا الاعوجاج في طبيعة المرأة هو المتمم لمهمتها؛ لهذا كان حنان المرأة أغلب من استواء عقلها، لأنه الأنسب والأجدى لمهمتها؛ فمهمة المرأة تقتضي هذه الطبيعة. أما الرجل فعقله أغلب ليناسب مهمته في الحياة؛ إذ يُنَاط به العمل وترتيب الأمور فيما وُلِّي عليه. لقد خلق الله كلاً لمهمة محددة فقدر لتلك المهمة ما يناسبها من قوى. فسبحان (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى:3،2).

 


[1]- راجع (لسان العرب) لابن منظور، مادة (ذكا)، ومادة (زكا).

[2]- راجع (لسان العرب)، مادة (عقل).

[3]- أدرك الفرس بعمق هذه المعادلة، واستثمروها لصالحهم، فركزوا على تهييج العاطفة عند جمهورهم برواية المقاتل والآلام بالأصوات المطرّبة الحزينة، والمشاهد المؤثرة، والإيحاءات والإيماءات الخفية، والأشعار والقصص والتهاويل والتصاوير، حتى إذا صار الجمع كالقطيع بدأوا بنفث سمومهم في عقولهم التي شلتها العاطفة. وهكذا دأبهم على مر العصور وكر الدهور حتى تغيرت الشخصية الشيعية فصارت عاطفية بحتة. ولهذا ترى الرجل الطرير الكبير يصدق أي خرافة، ويبكي لأدنى نغمة، ويأتي بحركات لا يفعلها إلا المجانين، فلا عقل ولا دين، مع أنهم رجال! أفيقاس هؤلاء بالمرأة الصيِّنة المتدينة؟!

أكتب تعليق (0 تعليقات)

التبخيس الاجتماعي للمرأة

 

 

تتعرض الأنثى إلى عمليات تبخيس منذ الصغر، تتخذ صوراً شتى تتراوح بين التصريح والتلميح والإيحاء إليها – وللذكر أيضاً - بأنها دونه في مرتبتها الإنسانية. وينعكس هذا التبخيس والنظرة الدونية بألفاظ جارحة وإشارات غير لائقة وأمثال وتقاليد شعبية، وكثيراً ما يتعدى إلى الضرب والتنكيل. كما ينعكس على تقاليد وتواضعات اجتماعية لا يفهم منه سوى دونية المرأة في بشريتها وقيمتها الإنسانية.

خذ مثلاً على ذلك هذه الصور الأسرية في بعض الأوساط الاجتماعية:

  • • التمييز بين الذكر والانثى في المطعم والملبس. وفي التعامل اليومي؛ فالأولاد يأكلون مع الأب، بينما البنات ينتظرن دورهن حتى لو كانت إحداهن تتلوى جوعاً! ليأكلن ما تبقى من طعام أصبح عبارة عن فضلات! وتكبر المرأة لكن مرتبتها لا تتغير. فتُعامَل النساء، حتى الحوامل والمرضعات، في بعض الأوساط الريفية والشعبية بالطريقة نفسها.
  • • كثيراً ما يتحكم الأخ الذكر بأخته الأنثى فيأمرها بشتى الأوامر، وليس لها – مهما كان لها من عذر: تعب أو مرض – غير أن تطيع أوامره، وإلا فإنها قد تضرب أو تقذف بكلمة نابية أو قاسية. ترسبت هذه العادة وترسخت كالقانون؛ ساعد على ذلك كون الذكر هو من يسعى عادة لكسب الرزق خارج البيت، والأنثى هي التي تخدم داخل البيت. ثم صار هذا قانوناً يطبق على الجميع وإن كانوا أطفالاً لا يرتزقون، أو طلاباً في المدارس؛ يتساوى في ذلك الذكور والإناث.
  • • تمييز الذكر عن الأنثى بمزيد من العطف، لا سيما من الأُم.
  • من خلال التمييز في الطريقة التي يتعامل بها الأب مع الطفلة مقارنة بأخيها، ينطبع في ذهن الطفلة أنها أقل منه قيمة في الخلق والانسانية.
  • • إشعار الأُنثى بأنها عورة ونقص يجب عليها التواري عن الأنظار منذ طفولتها، وتقييدها في اللعب والحركة والضحك. وتعريضها للإهانة بالقول والفعل.
  • • كثيراً ما يطلب الزواج بالمرأة من خلال ذويها، الذين يناقشون الأمر فيما بينهم دون علمها وكأن الأمر لا يعنيها البتة، فيرفضون أو يقتنعون دون اعتبار لرأيها. وقد ينتهي الطلب بالرفض دون علمها، أو تتم الموافقة ثم تجبر عليها بشتى الطرق ترغيباً وترهيباً. وعادة ما تشارك الأم في هذه الاعتداء الصارخ على أخص خصوصيات الإنسان ذكراً كان أو أنثى!

 

حرية المرأة في اختيار زوجها

إن إجبار المرأة على الزواج بمن تكره مخالف للشرع والعقل والفطرة. روى البخاري في (باب: لا يُنكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها) بسنده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنكح الأيم حتى تُستأمَر، ولا تُنكح البكر حتى تستأذن). قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟

قال: (أن تسكت). قال شيخ الإسلام: أما الثيب فقد زال عنها حياء البكر فتتكلم بالنكاح، فتُخطب إلى نفسها، وتأمر الولي أن يزوجها. فهي آمرة له، وعليه أن يطيعها فيزوجها من الكفء إذا أمرته بذلك. فالولي مأمور من جهة الثيب، ومستأذِن للبكر. فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح: فهذا مخالف للأصول والعقول، والله لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده. فكيف يكرهها على مباضعة من تكره مباضعته، ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له، ونفورها عنه فأي مودة ورحمة في ذلك؟([1]).

وروى البخاري في (باب: إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحهم مردود) بسنده عن خنساء بنت خذام الأنصارية:أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحه. وروى ابن ماجة وغيره عن ابن بريدة عن أبيه قال جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الأمر إليها فقالت قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء.

وفي الصحيحين وغيرهما: عن عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة بنت الحارث أخبرته: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل ابن بعكك، رجل من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح، فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي([2]).

وبعيداً عن الاختلافات الفقهية التي لا تتناسب والمنهج أقول: لا شك أن تجمل المرأة للخطاب يجب أن يكون ضمن الضوابط الشرعية في الكتاب والسنة. وما يهمنا من الرواية أن تجمل المرأة للخطاب مشروع في ديننا، وأن ذلك من الحرية المكفولة للمرأة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال تعالى عن المرأة التي تأيمت حديثاً وهي ما تزال في فترة عدتها: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) (البقرة:235).

قال الإمام البخاري في (صحيحه): عن ابن عباس: {فيما عرضتم به من خطبة النساء}. يقول: إني أريد التزويج ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة. وقال القاسم: يقول إنك علي كريمة، وإني فيك لراغب، وأن الله لسائق إليك خيراً، أو نحو هذا. وقال عطاء: يعرض ولا يبوح، يقول: إن لي حاجة، وأبشري، وأنت بحمد الله نافقة. وتقول هي: قد أسمع ما تقول، ولا تعد شيئاً.

قال ابن كثير في (تفسيره): يقول تعالى: {ولا جناح عليكم} أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح... عن ابن عباس قال: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة, ولا ينتصب لها ما دامت في عدتها. وقال: وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها.

 

فهوم دينية خاطئة

ساعد على ظاهرة التبخيس بعض الفهوم الخاطئة لنصوص شرعية وأحكام فقهية ذكرنا بعضها في موضوع (قانون التفاضل الاجتماعي).  

من هذه الفهوم الخاطئة تصور البعض وكأن الحجاب تم التأكيد عليه في حق المرأة بناءً على أن جسدها عورة تعني النقص. ولو تمعنا في الأمر أكثر لوجدنا ما يلي:

  • • إن عورة المرأة يغلب عليها الكمال، وليس النقص، مقارنة بالرجل؛ لما في جسمها من زيادة جمال عن جسمه. فالجمال، الذي هو من جنس الكمال، هو الذي استدعى مزيداً من الستر لدى المرأة.
  • • ليس كل عورة نقصاً؛ فوجود عورة الرجل – مثلاً – كمال، وعدمها هو النقص وليس العكس، وهذا العدم عيب يُلزمه بطلاق المرأة إن كان زوجاً؛ ويجعله أقل منها درجة، ويفقد شرط الكفاءة. فليشكر الرجل ربه على عورة أورثته كمالاً..!

ويصل التبخيس حداً يجعل الرجل يشعر بالخجل من ذكر اسم أمه أو زوجه أو إحدى قريباته، وكأنه عورة ينبغي أن تستر. وهو نوع من المهانة الجمعية اللاشعورية الشائعة في المجتمعات الاضطهادية يسقطها الرجل على المرأة. أي إنها – في الحقيقة – تعبير عن نقص الرجل لا نقص المرأة. وذلك مخالف للقرآن الكريم والسنة النبوية؛ فقد سمى القرآن نساء بأسمائهن، ولم يكن النبي e يتردد من مناداة المرأة باسمها. فقد قال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) متفق عليه، وروى مسلم عن عائشة قالت: لما نزلت: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء/214) قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا فقال: (يا فاطمة بنت محمد! يا صفية بنت عبدالمطلب! يا بني عبدالمطلب! لا أملك لكم من الله شيئا. سلوني من مالي ما شئتم). تأمل كيف كانت المناداة باسم قريباته من النساء: ابنته وعمته على ملأ من الناس ومن فوق جبل الصفا!

 


[1]- مجموع الفتاوى: 25/22- 25.

[2]- قال الشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة (6/221): وفي الحديث فوائد فقهية أخرى ساق الحافظ الكثير الطيب منها كقوله: وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها، لأن في رواية الزهري عند البخاري: فقال : مالي أراك تجملت للخطاب، وفي رواية ابن إسحاق: فتهيأت للنكاح واختضبت، وفي رواية معمر عن الزهري: و قد اكتحلت، وفي رواية الأسود : فتطيبت و تصنعت".

أكتب تعليق (0 تعليقات)
primi sui motori con e-max.it