|
10-
عقدة الشك
(الفارسي) شخص ساكن
أو مسكون بالخوف،
يتوجس دوماً من
تصرفات الآخرين ويشك
في نواياهم. جاء في
النصوص الفارسية
القديمة: (هل ادعى لك
الملك ذات مرة أنك
آمن تماماً وأنت في
معيته؟ إذن ابدأ منذ
تلك اللحظة في
الإحساس بعدم الأمان.
فإذا ما دأب إنسان
على تسمينك، فلا بد
أن تتوقع أنه سرعان
ما يذبحك)(1).
إن شعوره الحقيقي
بالضعف تجاه المحيطين
به، والذي تسبب في
إصابته بعقدة النقص،
جعله يلتجئ إلى هذه
الحيل النفسية عبر
التاريخ من أجل حماية
نفسه منهم. هذا من
ناحية. ومن ناحية
أخرى - ولأجل السيطرة
عليهم - فإنه يثير
لديهم الخوف من كل ما
هو أجنبي، وينمي هذه
العقدة في نفوسهم
ليحقق التفافهم حوله
على أنه الملاذ الآمن
الوحيد. وإلى هذا
أشار د. عماد عبد
السلام بقوله: (لقد
أدرك الفرس أن تحقيق
سيطرتهم على عدد كبير
من القوميات يفوقهم
بعضها عددا وحضارة لا
يكون إلا بإخضاعها
إلى ضغط تحد خارجي
وإثارة شعور التوجس
لديها من خطر ما يأتي
من الخارج)(2).
وبفعل
تراكم الزمن وعوامله
ترسخ هذا الشعور، حتى
غدا عقدة بل صار سجية
لا تفارق (الفارسي)
أبداً، ومرضاً معدياً
يصيب الآخرين الذين
يثقون به ويتأثرون
بفكره وديانته. فتجد
أحدهم لا يطمئن أبداً
إلى سلامة نية
الآخرين تجاهه، ويفسر
تصرفاتهم الطبيعية
وأعمالهم الطيبة،
ويؤوِّلها دائماً، أو
يحملها على غير
ظاهرها. وهو ما
لمسناه واضحاً
وفاشياً في أوساط
المستعجمين أو
المتشيعين فارسياً
حتى من تغير منهم في
فكره، ولكنه ظل
مستعجماً في عقله
ونفسه وشعوره وخلقه،
ويمارس عملية (إسقاط)
ما بداخله من عيوب
على الآخرين. ولا بأس
أن أثبت هنا ما قاله
الباحث الأمريكي جاك
ميلوك: (إن هذا
الشعور بالارتياب
يجعل الإيراني يعتقد
بأنه ليس هناك شيء
بنفس البساطة
والاستفادة التي ربما
يظهر عليها، وإنه لا
يمكن قبول الأمور على
أساس قيمتها السطحية
أو الظاهرية.
قصة
الملا ناصر الدين
والحمال..!
وفي قصة (الملا ناصر
الدين والحمال) -
المشهورة في الأدب
الفارسي - تصوير دقيق
لهذه النفسية المفعمة
بالشك والتوجس
والارتياب من
الآخرين. وذلك عندما
يطلب ناصر الدين من
أحد الحمالين مساعدته
في نقل حقيبة إلى
داره:
-
الحمال: فديتك بنفسي
يا مولاي وأين دارك؟
- ناصرالدين:
(باستغراب) يا لك من شخص متوحش وسيء
الصيت، وربما سارق
يجب
رفسه!
هل تظنني ساذجاً حتى
أخبرك موقع داري؟
(!).
لقطة
سريعة
كنت أقرأ - ومن باب
التنويع والترويح –
في كتاب لرفعت
الجادرجي، سجل فيه
قصة اعتقاله على أيدي
المخابرات العراقية
السابقة، فلفت
انتباهي حكايته - دون
قصد منه – موقفاً عن
شخص إيراني كان
معتقلاً معهم، يعبر
بوضوح عن الشخصية
الشكاكة التي يتمتع
بها الفارسي حيثما
كان:
(كان معنا في
الزنزانة معتقل
إيراني الجنسية, لا
يكلم أحداً, فهو يفهم
العربية ويتكلمها
قليلاً. ولكنه لا
يكلمنا؛ لأنه يشك بأن
أحداً من بين
المعتقلين معنا في
الزنزانة مدسوس من
قبل المخابرات. وزع
أغلب وقته في روتين
منتظم : إما يصلي أو
يدعو ويتوسل إلى ربه.
ويأخذ التوسل والدعاء
هذان أغلب وقته. قبل
الغروب يومياً، أي
قبل أن تصبح الزنزانة
معتمة, يبدأ بفاصل
البكاء الذي يتراوح
بين نصف ساعة وأكثر،
ويردد كلمات أو
جملاً. لا يوجه كلامه
إلى أحد بل يكلم نفسه
فقط . كان يرافقنا
عندما نذهب إلى
الحمام، ويكون عادة
متهيئاً كالآخرين
لدورة الحمام، ولكنه
لا ينظر باتجاهنا،
ولا يرغب في أن ينظر
إليه الآخرون، بل
يعيش طوال أيامه معنا
في عزلة مطبقة. لم
نكن نفهم ما يعني أو
يقول, هل هو دعاء أم
عتاب أم شكوى إلى
الله! لا ندري. ثم
يعمد ويمسك قدمه
اليمنى ويبكي بصوت
خافت وحزين، كالأنين،
ويتكرر هذا البكاء
والأنين في الصباح
التالي. علمت من
الذين كانوا أقدم مني
في الزنزانة أن هذا
الرجل قضى في هذه
الزنزانة ما لا يقل
عن ثلاث أو أربع
سنوات. فهو أصلاً كان
راعياً على الحدود
العراقية –
الإيرانية. ولم يمض
على نقلي لهذه
الزنزانة أكثر من
أسبوعين أو ثلاثة,
حتى جاء الحارس ونادى
الرقم المعين, وأخذ
هذا الإيراني جميع
ملابسه وغادر. فرحنا
جداً له وقال الجميع:
"خلص هذا المسكين".
كان هذا كل ما تم من
همس بحق هذا الرجل,
ولكنه همس لا يعبر
إلا عن جزء من شعور
كل منا بالظلم في
حقه، والقسوة المريرة
التي كنا نعيشها
ونعاني منها)(3).
نعم
كل شخص - في مثل حالة
هذا - يمكن أن يتوجس
من المحيطين به. ولكن
انظر كيف استغرق هذا
الهاجس صاحبه إلى هذا
الحد الخارج عن طبيعة
الأشياء؟!
التوجس من كل شيء
يقول الشخص الإيراني
العادي: إذا ما كنت
نزاعاً إلى الثقـة
بالآخرين فسوف يقوم
البقية باستغلالي؛
لذلك فإنه من السخف
والحماقة أن يكون
المرء واثقاً مما
حوله. إن المعنيين
بدراسة إيران وشؤونها
، متفقون عموما على
الاستنتاج القائل بأن
الارتياب، وعدم
الاطمئنان والتخفي
الديني تحت مظهر كاذب
هي مميزات
الإيرانيين)(4).
حتى
الكتاب والسنة وأقوال
الأئمة تعاملوا معها
على هذا الأساس. إن
لكل آية أو حديث
عندهم باطنا غير
ظاهره. وكل قول أو
تصرف لعالم أو إمام
يمكن أن يفسر تفسيراً
يغاير ما يتبادر إلى
الذهن منه. من هنا
نشأ القول عندهم بـ(التقية).
إن ظواهر النصوص
والتصرفات ما هي- في
تصورهم - إلا أغطية
كثيفة لمقاصد بعيدة
جداً بعداً يمكن أن
يصل إلى حد الانقطاع
بين الصلة الظاهرية
والباطنية للفظ فلا
يعود للغة وضوابطها
عندهم أي اعتبار !
يروي الكليني عن موسى
بن جعفر أنه سئل عن
قوله تعالى: (قُلْ
إِنَّمَا حَرَّمَ
رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَمَا بَطَنَ)
(الأعراف:33) فقال:
إن هذا القرآن له ظهر
وبطن فجميع ما حرم
الله في القرآن هو
الظاهر، والباطن من
ذلك أئمة الجور.
وجميع ما أحل الله
تعالى في الكتاب هو
الظاهر، والباطن من
ذلك أئمة الحق(5).
ومن
هذا الباب ادعاؤهم أن
رسول الله صلى الله
عليه وسلم إنما اصطحب
أبا بكر في الهجرة
حتى لا يشي به أو يدل
عليه!
تفسير
التاريخ
وهكذا
تعاملوا مع أحداث
التاريخ. فهم لا
ينظرون إلى الحدث
بموضوعية كما هو
عليه، بل يفسرونه
طبقاً إلى هذه
العقدة. بل يصنعونه
ثم يروونه كما يحلو
لهم ويتمنون أن يكون
قد وقع، لا كما وقع
بالفعل. فعلي زوّج
ابنته أم كلثوم لعمر
(تقية) وخوفا
واغتصابا! وسمى
أولاده باسم أبي بكر
وعمر وعثمان ملقا
و(تقية) كذلك. والحسن
بايع معاوية (تقية)
أيضاً.
إنهم
(يسقطون) ما في
نفوسهم المكبوتة على
الآخرين. يقول د. عزت
راجح:
(إن الكبت يجعلنا
نسقط عيوبنا ومقاصدنا
السيئة على غيرنا من
الناس فنسيء تأويل
سلوكهم. فالمرتاب في
نفسه الذي لا يعترف
لنفسه بذلك يرى
الريبة في غيره.
والذي يكبت العداوة
للغير يرى العداوة في
سلوكهم. والزوج الذي
تنطوي نفسه على رغبة
مكبوتة في خيانة
زوجته يميل إلى
اتهامها بالخيانة.
والأناني أو البخيل
أو المغرور الذي ينكر
هذه الخصلة لديه
ينسبها إلى الناس،
ويغالي في تقديرها
لديهم)(6).
ومن
ذلك أنهم يكابرون
منطق الأحداث مكابرة
عجيبة ؛ فلا يصدقون –
مثلاً - أن حداً من
(الأئمة) مات ميتة
طبيعية: فهم بين
مسموم ومقتول ومخنوق!
حتى (المهدي) المعدوم
اختفى خوفاً على نفسه
من القتل رغم إجماع
المؤرخين على العلاقة
الحسنة بين البيت
العباسي والبيت
العلوي آنذاك! وليس
(المهدي) هذا إلا
صورة طبق الأصل عن
الشخصية الفارسية
المأزومة والمصابة
حتى النخاع بعقدة
الشك! فإنه رغم تغير
الأحوال وظهور دول
تنادي صباح مساء -
حتى بحت أصواتها -
بخروجه وفرجه العاجل،
إلا أن المسكين لا
يصدق كلامهم ولا يثق
بأحد منهم! فمن يدري
لعلهم نصبوا له
كميناً . وهذا النداء
ما هو إلا خديعة
ومكر، أو فخ لاصطياده
؛ فهو مستمر
بالاختفاء، وعدم
الظهور، حتى يفاجأ
بيوم النشور! وإلا
لخرج منذ زمن بعيد.
إن
هذه النفسية المعقدة
المفعمة بالشك لا
تستجيب لسياق المنطق.
ورواياتهم مليئة
بالتناقض لكنهم
يتقبلونها رغم
تناقضها؛ لأنهم
يفكرون بنفوسهم لا
بعقولهم. وإذا كان
الأمر كذلك فإن النفس
المعقدة المعوجة تنتج
فكراً معقداً معوجاً
متناقضاً. ويمسي
العقل في هذه الحال
مجرد نقطة عبور خالية
من الحرس!
تأمل
كيف يعتقدون أن الحسن
بن علي رضي الله
عنهما قد مات مسموماً
أيضاً وعلى يد زوجته!
إن امرأة تسم زوجها
حتى الموت ليست
صالحة، وليست أهلاً
لأن يتزوجها
الصالحون. فكيف
تزوجها الحسن وهو -
عندهم- معصوم من
الخطأ!
لكن
عقدة الشك والتعصب
والحقد وعقداً أخرى
تكفي لبلع هذا
التناقض وزيادة دون
أدنى شعور بِهِ! مع
جنوحهم إلى الاحتجاج
بالمتشابهات مثل
اقتران نوح عليه
السلام - وكذلك لوط
عليه السلام - بامرأة
كافرة مع عصمته. وهو
نوع من الاحتجاج
للخطيئة بالخطأ!
فـ(العصمة) التي
ألصقوها بالحسن لا
تشبه عصمة الأنبياء
الثابتة لهم عليهم
السلام. (فعصمة
الأئمة) مطلقة غير
قابلة للخطأ وعصمة
الأنبياء ليست كذلك.
ثم إن الزواج من
امرأة تتآمر على
زوجها بسبب شهوتها
ورغبتها في رجل آخر
إلى حد القيام بسمه
يستلزم سوء الاختيار
والخطأ الحتمي فيه من
قبل الزوج. ولا شك أن
سيدنا الحسن رضي الله
عنه حين اختار هذه
المرأة إنما اختارها
لدينها وخلقها. ولا
بد أنه سأل عنها
وتثبت من ذلك ثم بعده
أقدم على الزواج
منها. فما فعلته بعد
- مما يقوله الرافضة
- يستلزم عدم التثبت،
والخطأ في تصور
صلاحها وهو يتناقض مع
(العصمة) المطلقة أو
نضطر إلى القول بأن
الحسن تزوجها لغايات
دنيوية فقط، وهو ما
لا يليق بصغار
الصالحين فكيف بكبار
المصلحين؟!
ثم أن
الشيعة يعتقدون أن
(الإمام) يعلم الغيب
وما كان وما يكون(7)،
فهلا علم الحسن بأن
امرأته غير صالحة أو
أنها ستسمه فلماذا
أقدم على الاقتران
بها؟ أفيعمل إنسان
على جلب الشر والسوء
لنفسه؟! أم لم يقل
الله تعالى وهو يخاطب
نبيه صلى الله عليه
وسلم :
(قُلْ لا أَمْلِكُ
لِنَفْسِي نَفْعاً
وَلا ضَرّاً إِلا مَا
شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ
كُنْتُ أَعْلَمُ
الْغَيْبَ
لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ
الْخَيْرِ وَمَا
مَسَّنِيَ السُّوءُ
إِنْ أَنَا إِلا
نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
لِقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ)
(الأعراف:188)؟!
لقد
تزوج هذه المرأة (جعدة
بنت الأشعث) بعد موت
الحسن ابن عمه العباس
بن عبد الله بن عباس،
ثم تزوجت من يعقوب بن
طلحة. أفيغيب عن
أبناء عم الحسن أنها
سمته ويعلم ذلك
الشذاذ المفترون؟ أم
أنهم أمنوا على
أنفسهم من امرأة تسم
زوجها؟ أم ماذا؟!
ورغم
كل هذا فالأسطورة
باقية تقاوم جميع
عوامل التعرية!
وتستطيع أن تجرب
بنفسك وتناقش رافضياً
حول هذا الموضوع لترى
مكونات الحشوة
الدماغية التي ترقد
مستقرة في قحفه!
وتسمع أن الحسن صار
يلفظ قطع كبده من
فمه! وأنا لا ادري ما
الذي جاء بالكبد إلى
المعدة مع أن الكبد
في يمين التجويف
البطني والمعدة في
شماله! ما هذا
الأنبوب المجوف الذي
يصل بينهما؟ أم أن
أحشاء (الأئمة) تختلف
تشريحياً عن أحشاء
بني آدم؟!
من
هنا نفهم قول د. موسى
الموسوي عن الخميني:
(إن الرجل شديد الظن
بكل شيء، ومن الصعب
عليه أن يسمع كلاماً
ويحمله على الصحة أو
الإخلاص. ومن هنا
جاءت معاملته لكثير
من المتعاونين معه
سيئة)(8).
هل
رأيت مدى عمق هذه
العقدة (عقدة الشك
والتوجس) في النفسية
الفارسية؟!!!
الشيخ طه الدليمي
07-02-2008
موقع القادسية
(1)
الطاغية ،
ص358 ، د.
إمام عبد
الفتاح إمام
(2)
مقدمة كتاب
الصراع
العراقي
الفارسي ،
مجموعة من
المؤرخين
|