|
(1)
دراسات في الشخصية الفارسية
المقالة الثانية
نظرة تحليلية
في جذور الأمراض
والعقد النفسية الفارسية
(الجزء الأول)
في المقدمة الرائعة التي كتبها البروفسور
عماد عبد السلام رؤوف - وهو أحد علماء
التاريخ العراقيين المعروفين – لكتاب
(الصراع العراقي الفارسي)، نجد تحليلاً
عميقاً للأسباب والدوافع التي تختفي وراء
النفسية الفارسية المعقدة وما ينضح عنها
من سلوك وتصرفات.
إن الخبيرين السابقين وصف كل واحد منهما
الحالة وأعراضها. أما الدكتور عماد عبد
السلام فلم يكتف بالعرض أو التوصيف
الخارجي – وهذه هي ميزته الكبيرة على
سابقيه - إنما غاص وراء الأسباب الكامنة
لها، ووضع أيدينا على الجذور الضاربة في
أعماق النفس (الفارسية).
إن السلوك (الفارسي) يجعل الناظر إليه
يسأل دائماً: لماذا يتصرف الفارسي ويسلك
هكذا؟ ومن الصعوبة أن يجد جواباً شافيا
لهذا السؤال المحير عن هذا السلوك (الفارسي)
الغريب!
إن الدكتور عماد عبد السلام قد أجاب عن
هذا السؤال المحير جواباً شافياً كافياً
حين قال وهو يحلل أسباب إصرار الحكومة
الإيرانية على مواصلة عدوانها المسلح ضد
العراق رغم كل الوساطات ومحاولات الصلح
طيلة ثماني سنين من الحرب الدامية (مقدمة
الكتاب/ مقتطفات من الصفحات: 11-18):
(إن موقفاً معانداً كهذا لم يكن ناتجا عن
أسباب آنية قوامها ما يحدث بين الدول
المتجاورة من خلافات، ويحل بالوسائل
السياسية عادة… إنما هو امتداد لموقف
فارسي راسخ معاد للعراق والأمة العربية
اتخذ فيه في كل مرحلة سماته المنسجمة مع
طبيعتها. فمنذ العصور القديمة، وحتى ما
قبل ظهور الإسلام اتخذ العداء الفارسي شكل
الغزو العسكري السافر… واتخذ في العصور
الإسلامية شكلا مستترا لكنه أكثر خبثا
وخطورة تمثل بالحركات الشعوبية العلنية
منها والباطنية المناهضة لقيم الإسلام
والثقافة والقيم العربية… فما هي إذن
الأسباب الثابتة لهذا الصراع الطويل عبر
المراحل التاريخية المتعاقبة)؟
وضع إيران الجيوبولوتيكي
(إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في وضع
إيران الجغرافي- السياسي نفسه. فالخارطة
القومية لإيران توضح بجلاء أنها كيان لا
قومي: بمعنى أنها لم تقم تحقيقا للروح
القومية الجمعية. فإيران كيان سياسي تتعدد
فيه القوميات وتتباين حتى تصل إلى نحو خمس
أو ست قوميات رئيسة.
ومن المهم أن نلاحظ أن أحجام هذه القوميات
متقاربة على نحو لا يجعل من أحداها منفردة
أكثرية ويجعل القوميات الأخرى أقلية. بل
ليس من الممكن إطلاق لفظ (أقلية) على
إحداها إلا إذا اعتبرنا سائر القوميات
الأخرى كلاً على حدة…
يحق لنا أن نتساءل: إذا كان كيان إيران لا
قومياً فلماذا هو كيان أصلا؟ ولم اتخذت
حدودها شكلها المعروف الآن؟
وبعبارة أخرى: إذا كان هدف القوميات هو
تحقيق إرادتها المستقلة المتمثلة بشكل
دولة، ولم تكن في إيران قومية رئيسة فما
هو مبرر وجود دولة إيران؟ عن أي هدف قومي
تعبر؟ وأية إرادة تمثل؟…
إن لهذه القوميات جميعاً - باستثناء الفرس
- امتدادات واسعة خارج حدود إيران نفسها
فالعرب هم جزء من أمتهم العربية. والأكراد
يتوزعون على منطقة ليس في إيران منها إلا
جزء فحسب، وللأذربيجانيين امتداد كبير
يشمل مساحات واسعة من تركيا والاتحاد
السوفيتي، أما البلوج فهم جزء من شعب يقيم
نصفه الأخر في باكستان وأفغانستان. وهكذا
فان جميع هذه القوميات لها امتداداتها
خارج الرقعة السياسية لإيران. فوجوهها- من
ثم- إلى خارج إيران لا إلى داخلها، فهي لا
تمثل الإرادة المكونة للدولة المركزية
الإيرانية. ومن المؤكد ان هذه الدولة ليست
هدفا لأي منها إذ لا مصلحة لهم فيها بحال).
الفرس أقل عدداً وأدنى حضارة
نعم! (الفرس هم الوحيدون الذين ليست لهم
إمتدادات قومية خارج إيران. فهم إذن عامل
(الشد) الوحيد الذي يشد هذه القوميات
المتباينة في نطاق دولة واحدة. ولكنهم من
جهة أخرى كانوا أقل وأدنى حضارة من أن
يستطيعوا ممارسة دورهم في شد هذه القوميات
وتجميعها تحت سيطرتهم. لذا فقد كان الفعل
السياسي والعسكري الفارسي على الدوام أكبر
من حجمهم الحقيقي.
لقد كانوا فعليا مجرد قومية وسط قوميات
متعددة لكل منها تراثها وحضارتها ووطنها.
ولكن الفرس مارسوا دورهم بصفتهم القومية
المركزية الوحيدة أو القومية العليا في
جميع أوطان تلك القوميات إضافة إلى وطنهم
نفسه، واتسم توسعهم على حساب قوميات
الهضبة الإيرانية الأخرى بالسمة العسكرية
البحتة. لذا فقد جاءت ثماره على شكل
احتلال فعلي وليس نتيجة مد حضاري فارسي
مثلاً، أو حركة مركزية تستقطب تلك الشعوب
نحو ثقافة واحدة…
إن استمرار سياسة شد القوميات في دولة
واحدة كان يعني استمرار سيطرة الفرس على
هذه القوميات. بمعنى أن عودة القوميات إلى
ممارسة مصائرها المستقلة كان يساوي تفكك
السيطرة الفارسية وانهيارها. وهو أمر وقف
الحكام الفرس ضده على الدوام… ولم يكن
الفرس على مستوى حضاري مكافئ للحضارات
المتقدمة الموجودة إلى الغرب منهم، لذا
فقد اخذوا موقعهم كـ(متلق) للحضارة لا
صانع لها). كما مر بنا في مطلع المقالة
السابقة.
ثلاث حقائق رئيسة في كلام الدكتور عماد
عبد السلام
يمكن تلخيص ما قاله البروفسور عماد عن هذا
الوضع بثلاث نقاط رئيسة هي:
1.
الفرس لا يشكلون سوى أقلية بالنسبة لمجموع
الأقليات القومية الأخرى التي تستوطن
الهضبة الإيرانية (عامل جغرافي).
2.
إن لهذه القوميات جميعاً - باستثناء الفرس-
امتدادات واسعة خارج حدود إيران نفسها (عامل
جغرافي).
3.
الرغبة في السيطرة على بقية القوميات
المتباينة، وشدها باتجاه الدولة المركزية
في الداخل (عامل سياسي). ولكنهم كانوا أقل
عدداً وأدنى حضارة من أن يستطيعوا ممارسة
دورهم هذا في شد هذه القوميات وتجميعها
تحت سيطرتهم. لذا فقد كان الفعل السياسي
والعسكري الفارسي على الدوام أكبر من
حجمهم الحقيقي.
عقدة النقص أصل كل العقد في الشخصية
الفارسية
إن رغبة الفرس – مع قلتهم العددية وتدنيهم
الحضاري - في السيطرة على شعوب تفوقهم
عدداً وحضارة، ولها امتدادات خارجية، هو
الذي أنتج عندهم ذلك الشعور العميق بالنقص،
والذي ترسخ بمرور الزمن وتراكم المعاناة
حتى صار عقدة لا تفارقهم. مثلهم كمثل شخص
جاءت به ظروف الحياة ليقود فريقاً من
الرجال يفوقونه في تحضرهم وتحصيلهم العلمي
وقوتهم ووجاهتهم، فإذا لم يكن متماسكاً
نفسياً تولد عنده شعور بالنقص تجاههم.
فإذا تكرر الموقف نفسه - بصورة أو بأخرى -
نشأت عنده عقدة النقص.
وبما أن تحقيق رغبة الفارسي في هذه
السيطرة بالوسائل الطبيعية غير ممكن، فإن
ذلك جعله يجنح دوماً إلـى أساليب ملتوية
وحيل غير مألوفة يوازن بها هذا الفرق في
التفوق، ويصل بها إلى هدفه من السيطرة.
لقد ترسخت هذه الأساليب الملتوية والحيل
الشاذة على مر الدهور وكر العصور حتى صارت
جزءا من شخصيته وسمة أو طابعا يدمغ تلك
الشخصية. أي تحولت كل واحدة من تلك
الأساليب والحيل إلى عقد نفسية متأصلة،
ممتدة الجذور عميقاً عميقاً في نفس
الفارسي.
العدوانية والتوجس والشك
يواصل الدكتور رؤوف حديثه فيقول: (لقد
أدرك الفرس أن تحقيق سيطرتهم على عدد كبير
من القوميات يفوقهم بعضها عددا وحضارة لا
يكون إلا بإخضاعها إلى ضغط تحد خارجي
وإثارة شعور التوجس لديها من خطر ما يأتي
من الخارج. وعليه فقد وظف الفرس التحديات
المختلفة في المنطقة لصالح تأكيد هيمنتهم
على قوميات ما عرف بإيران.
وكان التحدي الحقيقي أمام الفرس هو ذلك
التحدي القادم من غرب إيران أي من الوطن
العربي. بيد أنَّهُ - على قوته - لم يكن
عسكريا بقدر ما كان حضاريا)…
مركب الشعور بالنقص تجاه العرب
(وكان إحساس الفرس بتخلفهم تجاه الفعل
الحضاري الآتي من الغرب يتخذ وضعا حادا
انعكس على شكل رد فعل غير حضاري نحوه
استهدف تدمير الحضارة فيه، أو مكافأة
تأثيره على الأقل، ولكن بالفعل العسكري
وحده. وبذا فقد أصبح التوسع إلى الخارج
وبخاصة باتجاه الوطن العربي الوجه الآخر
لسياسة فرض الهيمنة السياسية والعسكرية
على شعوب الهضبة الإيرانية في الداخل…
وكان التوسع الخارجي بحد ذاته يقدم مبررا
قوياً لسياسة التوسع الداخلي بضم القوميات
غير الفارسية في إيران تحت قبضة حكومة
مركزية قوية).
(الفارسية) عقدة وعقيدة توسعية
وهكذا تحولت (الفارسية) من كونها إحدى
قوميات (إيران) إلى عقيدة توسعية تعبر عن
جيوبولوتيكية لا تحقق أغراضها إلا بالتوسع
المستمر أكثر من تعبيرها عن إرادة أمة
قومية بذاتها. وهذا ما يفسر ظهور سلالات
حاكمة في إيران من غير الفرس التزمت
بسياسة الفرس نفسها… فالافشاريون
والزنديون والقاجاريون مثلاً - وهم ليسوا
فرساً - لم يكونوا ليصبحوا (شاهات) لإيران
لو لم يلتزموا (بالعقدة الفارسية) فيحذون
حذو أسلافهم في معاداة الأمة العربية وسلب
أراضيها ومياهها سواء أكان ذلك في العراق،
أم في الاحواز، وسواحل الخليج العربي)…
(للبحث صلة)
الشيخ طه الدليمي
الجمعة
11/08/2007
موقع القادسية
|