4- عقدة الاعتداء
(العدوانية)
(2)
شرعنة
الاعتداء
يقول د. حجازي :
(على النقيض من
الحب والخير
والقيمة المطلقة
التي تكتسبها
الجماعة, تبخس
الجماعات
الخارجية
(المختلفة قومياً
أو عرقياً أو
طائفياً) من خلال
إسقاط كل
العدوانية عليها.
وهكذا تصبح جماعة
غريبة, ومصدر كل
سوء, صورة الشر
بعينه, منبع كل
تهديد للجماعة
النرجسية.
الجماعة الغريبة
من خلال تجذير
الاختلاف بينها
وبين الجماعة
الأولى المتعصبة,
تصبح العقبة
الوجودية
الأساسية التي
تقف في سبيل وصول
هذه الأخيرة إلى
أهدافها في
الرفعة والمنعة
وتحقيق الذات.
إنها تحمل كل
الآثام والأوزار,
في حالة من تفريغ
كل المسؤولية
الذاتية وكل
السوء والشرور
عليها.
عند هذا الحد
تنهار علاقة
التعاطف
والمشاركة في
المواطنية. وتفتح
الطريق عريضة
أمام صب كل العنف
على الجماعة
الغريبة دون قيد
أو ضابط . تحدث
استباحة لها,
ولكيان أفرادها,
الذين يتحولون
إلى مجرد أساطير
للسوء والشر يجب
القضاء عليها
بإبادتها دون
هوادة. ويفتح
باب المجازر
الدموية على
مصراعيه وبشكل
مذهل . فالجماعة
المتعصبة فيما
تقدم عليه من
مجازر لا ترتكب
إثما بحق إنسان
لهم كيانهم, بل
إنها تقوم بواجب
الدفاع المشروع
عن النفس. وأكثر
من هذا تقوم
بواجب القضاء على
الأوبئة التي تقف
في سبيل تقدم
البشرية. مجازر
الدم والإبادة,
تتحول إلى عمل
نبيل في وهم
وقناعات أعضاء
الجماعة
المتعصبة. فالأمر
لا يعدو مجرد
قضاء على رموز
مجسدة في أناس من
الجماعة الغريبة,
التي تحاط
بمجموعة من
الأساطير, تنتزع
منها انسانيتها)(1)
.
إن هذا يفسر
الصورة الشاذة
التي عليها القوى
الشيعية اليوم،
التي أمسكت بزمام
الحكم في العراق
من خلال
مليشياتها، ومن
خلال قوى الأمن
والشرطة والجيش!
كيف يمارسون
تعذيبهم الوحشي
لأهل السنة وهم
في حالة من
التلذذ السادي
والنشوة الغريبة!
وكيف يقيدون
الأبرياء الذين
يعتقلونهم (على
الهوية) بل (على
الاسم)! ويضعونهم
في السيارات وهم
يطلقون الهتافات
و(الهوسات)
الشعبية معلنين
نصرهم على
(الإرهاب)،
وأحياناً يصرحون
باسم أهل السنة،
أو يغلفونه بلفظ
(الوهابية)! وكيف
يهجمون على المدن
السنية بملابس
(الحرس الوطني)
أو الجيش يرددون
الهتافات نفسها
وكـأنهم لا
يقتلون أبناء
بلدهم، وإنما
يطاردون عصابات
الغازي الأجنبي،
وفلوله الكافرة،
أو هم في يوم
الانتصار على
اليهود وتحرير
بيت المقدس الذي
لا يخطر لشيعي
متمجس على بال!
وفي الوقت نفسه
(يُسقطون) سلوكهم
ومقاصدهم
المنحرفة على أهل
السنة كذباً
وتزويراً
ليقولوا: إن
الوهابيين
والتكفيريين
يقتلون الشيعة
(على الهوية)!
تشييء الآخر
ويواصل د. حجازي
قوله: (يقابل هذه
التطورات الذاتية
تغير حثيث في
إدراك الآخر, من
خلال مجموعة من
الأساطير
التحقيرية.
فالاتجاه
الإنصافي لا
يستمر إلا من
خلال التحقير
الثابت للضحية.
يصف (اينار) بشكل
رائع عملية
التحقير هذه ((
في الجريمة يتحول
الآخر إلى
أُسطورة (أسطورة
الخيانة , السوء
, الحسد ,
الاضطهاد ,
انعدام القيمة,
الخ ...) الشخص
الحقيقي المقصور
ينمحي تدريجيا في
حالة من التعامي
الموجه والموافق
عليه عن إنسانيته
)).
يفقد الآخر
حقيقته كشبيه
إنساني (في عيني
القاتل) متحولاً
إلى أسطورة لا
واقعية تبرر
بتصرفاتها أو
خصائصها الاعتداء
عليها، يتحول إلى
أسطورة العقبة
الوجودية، أو
السوء، أو انعدام
القيمة. هذه
الأسطورة تؤدي
إلى تغيير شخصية
القاتل وتبرر له
اتجاهه الانصافي.
وبمقدار ما تحقر
الضحية ، وتتحول
إلى أسطورة ،
يزداد تسلط حق
القاتل في القتل.
تصل عملية
التحقير هذه حداً
بعيداً فتُحمّل
الضحية المقبلة
كل الأوزار
والصفات المنحطة,
يعبر عنها أولاً
بالسباب
والشتائم، ثم
بالنعوت
المتصاعدة في
تبخيسها. وقد
يعمم الأمر من
المستوى الفردي
إلى مستوى كوني :
الضحية كائن خطر
على الجميع ويجب
القضاء عليها .
ولذلك يبدو القتل
عندها في نظر
القاتل كشيء
طبيعي ، تفرضه
الظروف وله ما
يبرره دون أن
يثير أي إحساس
بالندم.
في هذه الكارثة
العلائقية تتحول
الضحية أسطورياً
باختزال عادي في
ذهن المعتدي لا
إلى مستوى الشيء
فحسب, ولكن إلى
مستوى الشيء حامل
اللعنة الذي يجب
تحطيمه, الآخر
المحقر, يحتل في
ذهن المعتدي
دلالة العقبة
الوجودية التي
تسرق له حقه في
السعادة, حقه في
الاستقلال, حقه
في الحرية الخ...
ولذلك يصبح فعل
القتل, لا فقط
بريئاً من الإثم
ومبرراً فحسب, بل
مطلوباً كواجب
نبيل هو الدفاع
عن الذات
وكرامتها
وقدسيتها، أو
الدفاع عن
الجماعة وقيمها.
أو حتى الدفاع عن
الحضارة
والإنسانية من
العناصر المخربة
الهدامة. وهكذا
يبدو العنف
التدميري كضرورة
مبررة لا بد منها
لإعادة الأمور
إلى نصابها كواجب
على المرء النهوض
به من أجل بدء
وجود جديد لا
تسممه ولا تعرقله
الضحية – العقبة
الوجودية)(2)
.
دور حيلة
(الإسقاط)
النفسية
ثم يربط الموضوع
كله بحيلة
(الإسقاط) ،
ويبين دورها في
تأجيج عقدة
العدوانية
وترسيخها، وكيف
توجه إلى الآخر
فيقول:
(الإسقاط منتشر
جداً في العلاقات
بين الناس
(خصوصاً المهنيـة
والحزبية) فيما
يتعلق بمصدر
السوء والشر
والعدوانية:
الآخرون هم
المخطئون. في
الإسقاط تحول
النزوة العدوانية
إلى الخارج, وفي
مرحلة تالية نتخذ
من هذا الخارج
هدفاً لصب
عدوانيتنا
المتبقية. في
اتهام الآخرين
نجد راحة مزدوجة:
تصريف العدوان
بصبه عليهم
(الانتقاد)
وإثبات البراءة
الذاتية (نفي
تهمة العدوان عن
الذات), ذلك ما
يحدث في التعصب
الديني والطائفي
والسياسي. ليست
العدوانية وحدها
التي تسقط على
الخارج, بل أيضاً
مشاعر الذنب
(الآخر هو المذنب
وهو الذي يستحق
العقاب) , ومن
هنا تصبح
العدوانية
الذاتية مشروعة
ومبررة, إنها
إحقاق الحق من
خلال قصاص
الآخر... التنكر
للعدوانية
الذاتية, ولمشاعر
الإثم الذاتية ,
وإيجاد موضوع
ضحية يجسدها
ويعبر عنها في
الخارج, والتهجم
عليه لدرجة
إبادته, وكذلك
انشطار العواطف
إلى الميول
السيئة والحسنة,
والإحساس بأننا
ومن نحب, وكذلك
من يحالفنا, مثال
البراءة
والارتقاء،
وإسقاط كل الشر
والخطر والعدوان
على الأعداء(3)
.
يبقى هذا الإسقاط
للعدوانية
ولمشاعر الإثم
أوالية فاعلة في
حياتنا اليومية
وفي كل صراعاتنا
العلائقية. ولذلك
نجد الكثير من
العلماء قد قالوا
به. يقول (انطونيني)
بهذا الصدد: (إن
هناك في كل
الحالات تقريباً
جهداً لإزاحة
العدوانية خارج
الذات, بشكل
يمكننا من نفيها,
من عدم رؤيتها في
ذاتنا, يمكننا من
التعامي عنها,
فاكتشاف الحقد
الكامن فينا
ظاهرة مولدة
للقلق. أما
اكتشاف الشر عند
الآخرين فيمنعنا
من رؤية الشر
الذي فينا)(4)
.
يتمسكن حتى يتمكن
ثم يقول: (الإنسان
في المجتمع
المتخلف عدواني،
متوتر، يفتقر إلى
العقلانية، ويعجز
عن الحوار
المنطقي؛ لأنه
يعيش في حالة
مزمنة من الاحباط
الاعتباطي, ومن
الإهمال. إنه
متروك لنفسه كي
يتدبر أمره كما
يستطيع. ليس هناك
ما يضمن له حقه
أسوة بغيره. عليه
هو أن يحفظ هذا
الحق كما تمكنه
ظروفه (الاحتيال,
التقرب من
السلطان وذوي
النفوذ, التودد,
أو العنف والصراع
من أجل الغلبة).
عالم الإنسان
المقهور هو أشبه
ما يكون بغابة
ذئاب, عليه أن
يعبـئ نفسه ويظل
يقظاً طوال الوقت
لمجابهة أخطارها)(5)
.
عدم التعايش مع
الآخر
يواصل د. حجازي
تحليله القيم
فيقول: (وعندما
يحس كل واحد...
إحساساً من هذا
القبيل، فإن
علاقات التعاطف
والتفاهم تنهار
لا محالة، لتحل
محلها علاقات
اضطهادية. الآخر
هو الخصم الذي
يتهدد المصير
الذاتي، ويهدد
بالاستيلاء على
الحقوق الذاتية.
إنه بالتالي
العقبة الوجودية
في وجه تأمين
المصلحة الذاتية.
ولذلك فلا بد من
إعلان الحرب
عليه، أو
الاحتياط للحرب
التي قد يعلنها
علينا . يتحول
الآخر إلى مصدر
تهديد وخطر على
الذات أو مصدر
عرقلة لمصالحها,
ومنذ تلك اللحظة
يصبح كل عدوان
عليه, كل تغليب
مطلق للمصلحة
الذاتية دون
مراعاة للآخر,
النمط المشروع من
الدفاع عن النفس.
الاحتمال البديل
هو الرضوخ
والاستسلام, أو
التجنب
والانسحاب,
وبالتالي فقدان
فرصة الحصول على
الحق الذاتي)(6)
.
الدوني إذا تمكن
إذا تمكن هذا
الصنف المقهور من
الناس وتحول فجأة
– في بعض الظروف
السانحة – من
خاضع مقهور إلى
(سيد) يمتلك
القوة ويتصرف بها،
يتحول إلى وحش
كاسر لا تعرف
الإنسانية إلى
شعوره سبيلاً !
وتنقلب صفاته إلى
الضد مما كان
عليه (فبدل عقدة
النقص تبرز عقدة
التفوق
والاستعلاء، وبدل
العجز والاستسلام
تبرز عقدة
الجبروت، وبدل
انعدام المكانة
تبرز عقدة
الاستثناء...
يعوض عن نقصه
بنوع من التفوق
والاستعلاء على
من حوله. يحس
بشيء من الجبروت،
بأنه وجماعته
المسلحة فئة لا
تقهر، تنهار
أمامها الحواجز
والصعاب. يحس
بنوع من
الاستثناء، فكل
شيء مسموح له،
وكل التجاوزات.
ولذلك فهو يزدري
كل القيم
السابقة، ويشعر
بالحاجة إلى كسر
كل القواعد التي
حكمت حياته.
ويحدث في أغلب
الأحوال نوع من
التركز حول
الذات، فكأن
العالم كله يجب
أن ينتظم
انطلاقاً منه هو
وتبعاً لوضعه.
هناك تضخم ذاتي
يقابله انحسار في
قيمة وأهمية
المحيط ، على
العكس تماماً من
مرحلة الرضوخ.
هذا التضخم يؤدي
إلى سيطرة مزاج
نفاجي على
الإنسان. نوع من
الإحساس
بالامتداد
والعظمة... وتظهر
التصرفات
الاهتياجية بما
فيها من تسرع
وطنين وصخب،
ويبدو كل شيء في
متناوله، يطغى
نوع من الحبور
على الحالة
المزاجية ويصطبغ
المستقبل
بالتفاؤل المفرط
والمبالغ فيه دون
سند كاف)(7)
.
خير مثال على هذا
ما رأيناه
ولمسناه من
ممارسات لقوات
(الحرس الوطني)
والجيش والشرطة
والأمن الداخلي
الشيعي، التي
تعيث في أرض
العراق فساداً،
بعد أن خدمتها
الظروف لتقفز إلى
ناصية القوة،
التي لن تستمر
بأيديهم بعون
الله طويلاً. وكل
من شاهد الحال في
الشارع العراقي
اليوم، وكيف
تتصرف هذه القوات
مع المواطنين،
وتطلق النار
عشوائياً فوق
رؤوسهم - وعليهم
أحياناً – وتمسك
بالأبرياء بكل
فظاظة وقسوة، وهي
تردد الشعارات
الحماسية
والهوسات الشعبية
وكأنها في عرس أو
انتصار، أو كأنها
حررت البلد من
المحتل، أو تطارد
فلوله، وليست هي
تمارس العدوان
على إخوانها
ومواطنيها وأبناء
بلدها، كل من
شاهد ذلك يدرك
المعنى الحقيقي
لحالة الدوني إذا
تمكن!.
تساوي المثقف
والعامي في
التخلف النفسي
يرفض د. حجازي
التفريق بين
الفئات العامية
أو الجاهلة، وبين
الفئات المثقفة
أو المنظمة
والمؤطرة، التي
لديها تاريخ من
الممارسة
السياسية، وتصور
أن الأخيرة قد
تخلصت فعلاً من
قيود التخلف
ذهنياً
وانفعالياً
وعلائقياً. وفي
ذلك يقول: (العكس
هو الصحيح في
معظم الأحيان، إذ
يلاحظ تداخل بين
أعلى درجات
التنظير الفكري
وأشد أشكال
التخلف في
الممارسة... إن
الفئة التي تتمتع
بقدر من الحظ
وتقترب من مواقع
السيطرة على هذا
السلم لا تخلو
بدورها من التخلف
على جميع الصعد.
الواقع أنها تتصف
بالخصائص نفسها
وإن اتخذ الأمر
طابعاً مخففاً أو
خفياً في غالب
الأحيان. إنها
متسترة بقناع من
التقدم يكفي
تمزيقه حتى نتحقق
من أن سلوكها
تحكمه القوى
والمعايير نفسها
والنظرة إلى
الحياة التي تميز
الإنسان
المقهور...
فبينما يتماهى
الفلاح بسيده
ويشعر بالدونية
تجاهه، نرى السيد
يتماهى بدوره
بالمستعمر أو
الرأسمالي
الأوربي ويشعر
بالدونية نفسها
تجاهه)(8)
.
وهذا ما صرح به
مؤسس علم نفس
الجماهير غوستاف
لوبون عندما قال:
(والبشر الأكثر
اختلافاً
وتمايزاً من حيث
الذكاء لهم غرائز
وانفعالات وعواطف
متماثلة أحياناً.
والرجال الأكثر
عظمة وتفوقاً لا
يتجاوزون إلا
نادراً مستوى
الناس العاديين
في كل ما يخص
مسائل العاطفة:
من دين وسياسة
وأخلاق وتعاطف
وتباغض، إلخ...
فمثلاً يمكن أن
توجد هوة سحيقة
بين عالم رياضيات
شهير وصانع
أحذيته على
المستوى الفكري،
ولكن من وجهة نظر
المزاج والعقائد
الإيمانية فإن
الاختلاف معدوم
غالباً، أو قل:
إنه ضعيف جداً.
وهذه الصفات
العامة للطبع،
التي يتحكم بها
اللاوعي، والتي
يمتلكها معظم
الأفراد
الطبيعيين لعرق
ما بنفس الدرجة
تقريباً هي
بالضبط تلك التي
نجدها مستنف